صانع البهجة سيقهر المرض (درجن درجن)!!

نقلا عن المصري اليوم

طارق الشناوي - مقالات

يقولون الصحافة بلا قلب، الصحيح أن نقول إن بعض من ينتمى لبلاط صاحبة الجلالة ليسوا فقط غلاظ القلوب ولكن لديهم أصلا قلوب، وقبل ذلك ليس لدى عدد منهم مع الأسف عقول، الساحة الصحفية يشغلها عشرات إن لم يكن مئات من المواقع الإلكترونية، يقتات بعضها على النميمة، يتصور عدد من أصحابها أن السبق الصحفى هو سبق فقط وينسى حتى تكتمل الجملة أنه الصدق قبل السبق، وهكذا تقرأ العديد من الأخبار التي تتناول الحالة الصحية للفنان والصديق الكبير والعزيز محمود عبدالعزيز،

البعض لا يكتفى بوصف الحالة، ولكنه يضيف من عنده معلومة من يعلم ببواطن الأمور بأنها النهاية، ويزيد من عنده برغم تكتم العائلة الخبر، ولكنه استطاع بما لديه من ملكات خاصة أن يصل إلى كبد الحقيقة، التي لم يدركها الجميع، ولكنه حريص على أن يقدم لقرائه الخبر اليقين، فهو يضحى بالنفس والنفيس ويوصل الليل بالنهار من أجل شىء واحد هو العثور على الحقيقة بلا رتوش.

 
كثيراً ما أتلقى مكالمات من الزملاء يريدون أن يعرفوا الحالة الصحية بدقة وتفاصيل الأزمة الطارئة التي يعيشها محمود، وإجابتى هي دائما تابعوا ما يكتبه ابنه المنتج والممثل محمد على صفحته، لا أحد من حقه أن يضيف شيئاً أكثر مما كتبه محمد، حتى أطباء محمود ليس من صلاحيتهم أن يزيدوا عليها كلمة، قسم (أبوقراط) يمنعهم من الإدلاء بأى تفاصيل، ما لم يحصلوا على إذن وموافقة صاحب الشأن، ومحمود بإرادته منع الزيارة، وهو عندما تأتى اللحظة المناسبة سيفتح باب حجرته لكل من يسأل عنه، من الجمهور والفنانين والصحفيين، محمود ابن بلد شهم وليس بحاجة الآن سوى للدعاء الذي يرد الداء، تضرع عشاقه لله، وهم بحجم عالمنا العربى، هو الذي سيشفيه بإذن الله، أما هؤلاء الذين يتصورون أن محمود عبدالعزيز هو مجرد خبر، فهم لا يستحقون سوى الرثاء لهم، لقد سبق لمحمود أن تعرض لأزمة أشد ضراوة قبل سنوات، وعاد إلينا مبهجا ومشعا ومتألقا يمنح السعادة لقلوب كل الناس.

 
مع الأسف، كثيرا ما نكتشف أن الصحافة تضللنا، لأن البعض لو لم يجد الخبر ببساطة يخترع الخبر، عند رحيل فاتن حمامة، كتبوا على لسان عمر الشريف رثاء، وأضافوا أنه قال لهم كم كنت أتمنى أن يحضر جنازة وداعها، ولكنه خاف من الزحام الشديد، وتمضى أشهر قلائل، ويدلى طارق عمر الشريف بتصريح للصحافة الإسبانية، يتم تداوله عربياً، يؤكد فيه أن والده وحتى اللحظات الأخيرة كان يسأله عن فاتن، وأنه بعد رحيلها بدقائق حاول أكثر من مرة إخباره بالحقيقة، ولكن عمر بسبب إصابته بألزهايمر لم يستوعب الأمر، وبالطبع لم يعتذر أحد منهم عما نشره من قبل على لسان عمر الشريف.
محمود ليس مجرد فنان كبير ملأ حياتنا بهجة وإبداعاً وإن شاء الله سيظل يملؤها، لكنه حالة خاصة جدا بين كل النجوم، تقلصت المسافة تماما بين محمود عبدالعزيز الفنان ومحمود عبدالعزيز الإنسان، فهما وجهان لعملة واحدة، وهذا هو سر الساحر، أنه لا يمثل الدور بل يعيش الشخصية، فلا تدرك بالضبط هل هذا هو محمود أم أنه «الشيخ حسنى»، أم ربما «رأفت الهجان»، أو لعله «عبدالملك زرزور» دوره الاستثنائى في فيلم (إبراهيم الأبيض)، ليثبت أن مكانته لا يشغلها سوى محمود عبدالعزيز.

 

السينما المصرية لا شك في احتياج إلى زمن وإحساس ونبض وإيقاع محمود عبدالعزيز، فهو لايزال على الموجة مع جمهور هذه الأيام مثلما كان على الموجة دائما قبل أربعة عقود من الزمان!!

ربما لا نلتقى كثيرا في القاهرة، ولكن محمود وأنا كثيرا ما تجمعنا اللقاءات خارج الحدود في مهرجانات متعددة في باريس وكان وفالنسيا ودبى وأبوظبى ووهران وتطوان وقرطاج وبيروت ودمشق والمنامة وعمان وغيرها، محمود دائما وجه مشرف لنا، ليس فقط بموهبته المتفردة، ولكن بخفة ظله وحضوره ودفئه الإنسانى، قد نختلف أحيانا فنيا، ولكن روحه تتجاوز ببساطة وأريحية العمل الفنى لتبقى الصداقة.

محمود يلتقط دوره من الناس، أتذكر أنه مثلا عندما جاء لعزاء والدى في مطلع التسعينيات، وبعد انتهاء الشيخ المغمور عيد الأبيض من تلاوة القرآن، تجاذب معه أطراف الحوار واكتشف خفة ظله واتفق هو والمخرج داوود عبدالسيد على لقاء ثان يجمعهما مع الشيخ في منزلى، ودار الحوار وكان محمود يحاول أن يلتقط شيئا يومض بداخله ليحيله مباشرة إلى الشيخ حسنى، ولم يكتف بهذا القدر، بل لعب الشيخ عيد الأبيض دور المقرئ في الفيلم ليتردد لأول مرة اسمه الحقيقى على الشاشة.

محمود مزج بين الحسنيين، إنه (الجان) الفتى الأول، وهو في نفس الوقت (الكوميديان) خفيف الظل الذي يثير حضوره على الشاشة حالة من البهجة، إذا عثر على الدور الذي تشع في تفاصيله ومفرداته اللمحة والومضة، فإنه حاضر يملأ الكادر سخونة ووهجاً وألقاً.

تخرج في كلية الزراعة في مدينة الإسكندرية، عندما كان يعمل في فريق الإخراج للمخرج الكبير «نور الدمرداش» الذي كان يحمل لقب «ملك الفيديو»، الدمرداش بحسه الفنى الاستثنائى وجد أن «محمود» من الممكن أن يصبح نجماً.. بينما تلميذ «نور الدمرداش» النجيب في ذلك الوقت، وأقصد به المخرج الكبير «محمد فاضل»، والذى كان مساعداً له، كان له رأى آخر، ولم يتحمس لمحمود ممثلاً، ولهذا اختار «محمود» في نهاية الستينيات من القرن الماضى أن يسافر إلى «فيينا»، عاصمة النمسا، ليس من أجل قضاء ليالى الأنس هناك، كما تردد أسمهان في أغنيتها الشهيرة، ولكن لبيع الجرائد مثل أغلب الشباب خريجى الجامعات في تلك السنوات.

لم يكن «محمود» يحمل فقط بكالوريوس كلية الزراعة، ولكن «ماجستير» في العلوم الزراعية تخصص نحل، واختار مكانا قريبا من الأوبرا، أو لعلها الصدفة التي جاءت به إلى هناك، وبعد رحلة قصيرة في بيع الجرائد، ألحت عليه النداهة وعاد إلى مصر ليستكمل الحلم، ثم بدأت شرارة الانطلاق.
لاتزال أجمل الأدوار والأفلام تنتظره، والذاكرة لاتزال تحتفظ له بالكثير، إلا أننى لايزال يسكننى صوته وهو يغنى في نهاية «الكيت كات»، بنبرة تفيض دفئاً وأملاً (ياللا بينا تعالوا / نعيش اليوم بحاله/ وكل واحد مننا/ يركب حصان خياله/ درجن.. درجن.. درجن.. درجن..)، وأنتظر معكم «الساحر» في القادم من الأفلام والمسلسلات (درجن.. درجن.. درجن.. درجن)، وسوف يقهر تلك المحنة الطارئة أيضا…. (درجن درجن درجن درجن)!!