حمدي عبد الرحيم يكتب : حكايتي مع الرجل الدوّار

نقلاً عن جريدة المقال

حضرتك تعرف أن مَنْ خف عقله تعبتْ قدماه ، وقد خف عقلي فزرت كثيرًا معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التي انتهت مؤخرا .
لم يكن شراء الكتب الجديدة هو همي الأول ، فماذا كان همي ؟.

للحق لا أعرف ، ربما كان التجوال بين خليط من الناس لا أعرفهم ولا يعرفونني ، وربما كنتُ أبحث عمّا فقدته  ثم لن يعود .

بدأت جولاتي العبثية من جناح دولة كازاخستان ، كازاخستان كانت غائبة وكان جناحها مهجورًا وليس به سوى رف كتب مكسور وعلم منكس ، أغمضت عينيّ لأتخيل أن شابة كازاخستانية ستخرج الآن من الجناح المهجور وترقص كالأشباح وهي تغمغم :” أنا روح المخطوطات المنسية  أتجلى لك “.

الحقيقة لو حدث هذا ما كنت سأخاف .
ذهبت إلى جناح الحبيبة فلسطين وهناك اصطادني الرجل الدوّار .

جملتي الأخيرة ليست موفقة ، فلا هو اصطادني ولا أنا اصطدته ، الذي حدث هو لقاء بين قطبين متنافرين ، فوقعت شرارة التواصل ، ولا فضل للقطبين في وقوعها لأن الأمر محتوم بقانون  الفيزياء .

الرجل وسيم وسامة قديمة كأنه نسخة من الفنان المؤمن ” حسين صدقي ” لولا أنه يكسر التطابق باستخدامه لآلات حديثة لم يعرفها زمن حسين صدقي مثل الموبايل والكاميرا الديجتال  وحقيبة الكتف الجلدية الفاخرة لحظة دخولي للجناح الفلسطيني كان الرجل الدوّار يشرح لمشرف الجناح الأهمية الإستراتيجية لمترفعات الجليل .

كان المشرف مسكينًا وعجوزًا وحاول كثيرًا إيقاف الشرح مشددًا على أنه من مواليد الجليل ويعرف كل ذلك ولكن  هيهات .

ظل الدوّار يشرح فانصرف عنه المشرف وبقيت أنا المستمع الوحيد ، ولأن عقلي كان قد خف فقد كنت استمع باستمتاع رهيب ظننت أنني فقدته!!.
من تلك اللحظة صرنا صديقين حتى أن أحدنا لم يهتم بمعرفة اسم الآخر أو عمله ، نحن أصدقاء قدامى فما الداعي لتلك التفاصيل الفرعية المزعجة .

أصبحت أذهب للمعرض لكي أجده بعد بحث لا يستغرق سوى دقائق !!
كنت أسير بجواره نتحدث في المطلق المستحيل ، يريني مجددًا إمكانيات كاميراته الديجتال ويحثني للمرة الألف على اقتناء موبايل كموبايله لأنه الأحسن والأحدث ، ثم نواصل الحديث في المطلق المستحيل حتى يقودني إلى جناح دولة عربية .

أتأمله ونحن داخل الجناح فأرتل في سري :” ويخلق ما لا تعلمون ” كان الرجل يتبدل يركل وسامته ومهابته القديمة ويصبح مثل لاعبي الثلاث ورقات وذلك الذي يلاعب  البيضة بالحجر كنت أراه أطول مما هو عليه وأنحف مما هو عليه  ويكسو الحماس وجهه حتى يحتقن بحمرة أخشى عليها منها .

يتلقط صورًا كثيرًا للجناح وللمشرفين عليه ، ثم يتلقط أنفاسه وينزل حقيبته الجلدية الفاخرة من فوق كتفه ويفتحها بأصابع ترتجف كأنه سيفاجئ بما فيها ، ثم يلتقط منها كراسة كبيرة ، صفحاتها ملونة ويبدأ في شرح فكرته للمشرفين على الجناح .

الصفحات الأولى من الكراسة تحتوي على رسومات بيانية للمشروع ،كان عندما يصل إلى كبد الفكرة أو قلبها تشرد عيناه خلف البعيد الغامض ، ويتمتم بكلام غير مفهوم كأنه يتلو تعويذة سرية ، ثم يبدأ في الكلام كأنه لم يتكلم قط !

ملخص فكرته أنه يريد إقامة سوق عربية ثقافية مشتركة ، لا شأن لها بالسياسية العامة ولا بالضرائب العامة ولا بالجمارك العامة ولا بأي آلية من آليات القمع العربي ، إنه يريدها سوقًا حرة في المطلق المستحيل .

:” كيف سنقيم سوقنا ؟ ” هو يسأل ، ثم هو نفسه يجيب على سؤاله :” سنقيم سوقنا بمهاجمة الأطراف وصولًا إلى القلب ، سنبدأ من أصغر قرية تقع في أقصى غرب موريتانيا ، في الساعة ذاتها سيكون العمل قد بدأ في قرية بأقصى شرق البحرين ، وقبل أن ينتبهوا إلينا سنكون قد وصلنا إلى أقصى الجنوب السوداني وأقصى الشمال السوري  ، ونظل نزحف إلى أن نصل إلى القلب إلى القاهرة ويومها نعلن انتصارنا وإقامة سوقنا العربية الكبيرة”.

يسكت لا لكي يري وقع شرحه على مستمعيه ولكن لكي يخرج منديلًا قطنيًا من جيب بذلته الأنيقة ( ألم أقل لك إنه حسين صدقي ).

يجامله المستمعون الضائقون به بكلمة أو اثنتين فيجن جنونه ويصرخ :” لست مجنونًا حتى تصرفونني بهذه الطريقة ، ما قلته مبني على دراسات عميقة استغرقت سنوات ، المطلوب ليس أكثر من عشرة ملايين دولار نبدأ بها المشروع “.

ينصرف عنه المشرفون وأغادر معه الجناح وأراه وقد انحنت قامته كأنه قد بلغ أرذل العمر.

ومن جناح إلى جناح أتبعه كأنني مسحور ، يعرض فكرته ثم يغادر صفر اليدين ، لا هو يمل من الشرح ولا أنا أكف عن متابعته حتى جاء اليوم الموعود وفيه كنا نشرب الشاي في بقعة مشمسة ومر بنا مسئول خليجي فصافحني بحرارة وانتهي الأمر .

بل بدأ الأمر ، تفحصني الرجل الدوّار كأنه يراني لأول مرة وسألني بغل السنوات الماضية والقادمة :” من أنت ؟ ”
فهمت ما يرمي إليه فقلت له :” لا يذهب الفكر بك بعيدًا ، القصة هي أنني في يوم بعيد كنت أتحدث في لقاء من اللقاءات كان يحضره هذا المسئول الخليجي فأعجبه كلامي فصار يحيني كلما التقينا مصادفة “.

هز الرجل الدوّار رأسه بعلامة التكذيب ثم قال :” أنت حاقد وبليد ، حاقد لأنك لا تريد مساعدتي ، وكان سينويك من الحب جانب ، وبليد لأن تعرف هذا الثري ولم تستفد منه ، الآن اذهب بعيدًا عني وإلا حطمت رأسك ، اذهب “.

ذهبتُ ، وعندما عدتُ في اليوم التالي لم أجده رغم بحثي الطويل عنه ، لقد فقدت صديقي الذي لم أعرف اسمه ، لقد ذهب يطارد  المطلق المستحيل .

نرشح لك – حمدي عبد الرحيم يكتب : لابد من علاء الديب وإن طال السفر

اقرأ أيضًا:

5 أسباب تفسر النجاح السريع لنهار جديد

النهار وريهام سعيد ..شهور الفرص الضائعة

20 ألف جنيه وراء اعتزال تامر عبد المنعم

ماذا فعلت الميديا في أزمة الدرب الأحمر؟

يوتيوب يغلق حسابات القنوات في هذه الحالات‎‎

لماذا لم تنظم جنازة عسكرية لهيكل؟

75 صورة لمحمد حسنين هيكل ترصد تاريخ العرب

.

تابعونا علي الفيس بوك من هنا

تابعونا علي تويتر من هنا