منى سلمان تكتب : ذكريات الثورة في غرفة الأخبار

“ولقد أعلنت تمسكي بالمضي في النهوض بمسئوليتي في حماية الدستور و مصالح الشعب حتى يتم تسليم السلطة و المسئولية لمن يختاره الناخبون في شهر سبتمبر المقبل ” … الترجمة الفورية للجملة التي جاءت بعد خمسة دقائق من بداية خطاب مبارك الأخير يوم 10 فبراير هي أنه لن يتنحى على خلاف التصريحات القاطعة  للدكتور حسام بداروي المسئول الرفيع في الحزب الوطني بعد أنباء لقائه بمبارك و التي ذكر فيها انه سيستغرب لو لم يتضمن خطاب مبارك تنازلا عن السلطة .

الترجمة التي قفزت إلى ذهني و أنا أقف على أطراف أصابعي وسط زملائي في غرفة الأخبار كانت صورة ميدان السلام السماوي في بكين و الخوف من مذبحة مماثلة في ميدان التحرير .

ورغم الطمأنينة التي حملتها صور مركبات الجيش و هي تدخل إلى الميدان و اليقين باستحالة أن يوجه الجيش المصري الوطني رصاصاته لصدور المصريين و الذي ترجمه ترحيب المتظاهرين بالقوات المسلحة و هتاف الجيش و الشعب إيد واحدة، إلا أن التصميم الذي أبداه المتظاهرون على الرحيل الفوري لمبارك في مقابل التصميم على البقاء لنهاية فترته الذي أبداه في هذا الخطاب بينما الملايين يستعدون لسماع خبر رحيله كان ينذر بالخطر و يفتح الباب على كل السيناريوهات المرعبة كانت الأيام السابقة أياما صعبة في غرفة الأخبار في قناة الجزيرة التي كنت أعمل بها وقتذاك .

كانت الدعوة للتظاهر في 25 يناير معلومة للجميع و لم يتصور أحد إلا أنها ستكون مجرد مظاهرة مثل مظاهرات كفاية ، أو الدعوات التي بلغت ذورتها في أحداث المحلة في 6 أبريل 2008 و انتهت بإسقاط صورة مبارك و هو الفيديو الذي منع تداوله حتى في قناة الجزيرة ، و هذه قصة تستحق أن تروى.

فبعد أحداث 2008 التي جاءت على إثر دعوة 6 أبريل للتضامن مع عمال المحلة و ما تلاها من اشتباكات بين الأمن و المتظاهرين كانت الصورة الأقوى هي صورة اسقاط الصورة الضخمة لمبارك في مشهد يذكر بإسقاط صورة صدام بعد اجتياح العراق الذي كان ماثلا في الأذهان و هي الصورة التي أذاعتها عدة محطات دولية من بينها الجزيرة  التي بثتها ليوم واحد و قيل لنا وقتها أن اللقطة مُنعت من الظهور بناء على تواصل حدث على أعلى مستوى بين القاهرة و الدوحة لم يمنعه توتر العلاقة بين الحكومتين الذي ظهر واضحا في تخفيض مستوى مشاركة مصر ف القمة العربية التي انعقدت في الدوحة في 2009 .

أعود مرة أخرى ليوم 25 يناير 2011 والذي شهد بالمصادفة أحداثا مشتعلة في مدينة طرابلس اللبنانية تعرضت فيها سلامة الزملاء هناك و هو ما دفع القناة لتركيز التغطية عليها و تجاهل المظاهرات في مصر ، بنهاية اليوم كنت قد تلقيت و زملائي المصريين عشرات الرسائل الغاضبة من أصدقاء و متابعين من مصر لهذا السبب .

في اليوم التالي و على قناة الجزيرة مباشر التي كنت اقدم على شاشتها برنامجا حواريا بعنوان “مباشر مع” و بعض التغطيات الكبرى التي بدأت بحرب تموز 2006 كنت على موعد مع حلقة مختلفة دشنت التغطية التي بدأت في مساء يوم 26 لمدة 3 ساعات لتستمر بقية أيام الثورة، كان ضيفي من القاهرة الدكتور مصطفى النجار الذي كان مسئولا وقتها عن حملة البرادعي ، بينما كان معي من واشنطن الشاعر و الباحث تميم البرغوثي الذي قرأ لأول مرة وقتها قصيدته ” يا مصر هانت و بانت “.
القليلون تصوروا أن تستمر الاحتجاجات أكثر من ذلك ،لكنها فاجأتنا ، و فاجأتنا أيضا مشاعرنا كما سأفصل لاحقا .

عندما كتب عبد الله كمال : نلتقي بعد الثورة

.

تابعونا علي الفيس بوك من هنا

تابعونا علي تويتر من هنا