"أنا ضد زواج ذوي الهمم.. من إمتى بيتجوزوا؟ وهل ده في شرع ربنا؟ وهل دول يجب عليهم الزواج أصلًا؟ كان هذا تعليق إحدى الفنانات على واقعة زواج صانعة المحتوى والناشطة من ذوي الهمم سما رامي، وفي حين أن التصريحات بدت للوهلة الأولى أقرب إلى موقف شخصي، لكنها لامست واقعًا أكثر تشابكًا مما يبدو عليه.
وبغض النظر عن اعتذار الفنانة عن تلك التصريحات لاحقًا ومدى الاختلاف أو الاتفاق مع رأيها، فالقضية لا مجال فيها أصلًا لاجتهادات أو نظريات شخصية، وإنما تحكمها اعتبارات شرعية وقانونية وطبية، لكل منها معاييره وحدود اختصاصه، بينما تمتد الولاية في بعض الحالات لتصبح طرفًا آخر في معادلة اتخاذ القرار.
الشرع.. أين يقف؟
ليست واقعة زواج سما رامي الأولى التي تلقي بصداها حول زواج ذوي الهمم، ففي يونيو من عام 2025، حظي زواج شاب مصاب بمتلازمة داون من فتاة غير مصابة بتفاعل كبير بعد تداول مقاطع من حفل الزفاف للعروس وهي تبكي، وقبلها بعامين تصدر "كريم وصباح" عناوين الأخبار بعد احتفالهما بأول زفاف معلن لعروسين من ذوي الإعاقة الذهنية في مدينة طور سيناء.
ورغم اختلاف تفاصيل كل واقعة، إلا أن التساؤل ظل يكرر نفسه في كل مرة عن حقوق ذوي الهمم في الزواج، لكن في الواقع الإجابة في الفقه الإسلامي ليست بهذه البساطة، فالشريعة لم تجعل الإعاقة في حد ذاتها مانعًا من الزواج، وإنما ربطت الأمر بمدى قدرة الشخص على فهم العقد وإدراك آثاره والتعبير عن إرادته، ولهذا فرّق الفقهاء بين الإعاقات التي لا تؤثر في الإدراك، وبين الحالات التي يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز.
وهنا يبرز أول فارق جوهري في القضية؛ فالإعاقة ليست هي المعيار، وإنما الإدراك، وعليه تؤكد دار الإفتاء المصرية أن الزواج حق أصيل للشخص ذي الإعاقة الذهنية، باعتباره إنسانًا له احتياجاته العاطفية والاجتماعية مثل غيره، واستندت في ذلك إلى ما قرره الفقهاء من جواز أن يتولى الولي تزويج المجنون، ومن ثم فإن من كانت إعاقته الذهنية أخف يكون أولى بهذا الحق، متى توافرت مصلحته وأحيط بالرعاية اللازمة.
لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعني أن جميع الأشخاص يباشرون عقد الزواج بأنفسهم، فالشريعة تشترط توافر الأهلية لصحة العقد، فإذا اختلت بسبب عارض من الجنون أو العته، لم ينعقد الزواج من الشخص بنفسه، لأنه من العقود التي تقوم على القصد والإرادة، وفي هذا السياق استشهدت دار الإفتاء بما أورده الإمام الكاساني في بدائع الصنائع "لا ينعقد نكاح المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية التصرف."
وتنقل دار الإفتاء عن الإمام النووي أن تزويج المجنون لا يكون إلا بولي عند الحاجة، كأن تظهر رغبته في الزواج، أو يحتاج إلى من يرعاه، أو يرى أهل الخبرة أن الزواج قد يكون سببًا في تحسن حالته، كما تؤكد أن الولي لا يملك أن يمنع الزواج إذا كان يحقق مصلحة للمولى عليه، ولا أن يبرمه إذا كان فيه ضرر أو استغلال.
القانون.. ماذا يقول؟
إذا كان الفقه الإسلامي قد ربط صحة الزواج بالعقل والتمييز والإدراك، فإن القانون المصري ينطلق من الفكرة نفسها، لكنه يصوغها بلغة قانونية تضمن الموازنة بين حماية ذوي الهمم واحترام حقوقهم.
فالقانون رقم 10 لسنة 2018 يُعرف ذوى الإعاقة بأنهم "كل شخص لديه قصور أو خلل كلى أو جزئي، سواء كان بدنيًا أو ذهنيًا أو عقليًا أو حسياً، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقراً، مما يمنعه لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفعالة مع المجتمع وعلى قدم المساواة مع الآخرين".
وينص على تمتعهم بجميع الحقوق والحريات الأساسية على قدم المساواة مع غيرهم، ويلزم الدولة بحمايتهم وتعزيز اندماجهم في المجتمع، لا سيما بما يتوافق مع المادة (23) من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صدقت عليها مصر، والتي تؤكد حقهم في الزواج وتكوين أسرة مثل غيرهم.
لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعني أن جميع الحالات تخضع للمعايير نفسها، فالقانون يميز بين وجود الإعاقة وبين الأهلية القانونية، ولا يعتبرهما أمرًا واحدًا، ولهذا يضع القانون المدني القواعد العامة للأهلية التي تقوم عليها مختلف التصرفات القانونية، ومنها ما ينعكس على عقد الزواج.
فالأصل أن كل من بلغ الحادية والعشرين من عمره وكان متمتعًا بقواه العقلية ولم يصدر بحقه حكم بالحجر، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية، بينما يخضع فاقدو الأهلية وناقصوها لأحكام الولاية أو الوصاية أو القوامة، وفقًا لما تنظمه المواد من (44) إلى (47) من القانون المدني، والتشريعات ذات الصلة.
ولا يترتب على وجود إعاقة ذهنية أو مرض نفسي فقدان الأهلية تلقائيًا، فالقانون لا يبني أحكامه على التشخيص الطبي وحده، وإنما على المركز القانوني للشخص، لذلك تظل مسائل إبرام عقد الزواج خاضعة للأحكام المنظمة لها في قوانين الأحوال الشخصية وما تقرره الجهات القضائية المختصة.
وبذلك يرسم القانون خطًا فاصلًا بين الإعاقة والأهلية؛ فالإعاقة لا تعني بالضرورة فقدان القدرة على مباشرة الحقوق، كما أن نقص الأهلية لا يُفترض لمجرد وجودها، وإنما يظل لكل حالة ظروفها وتقديرها القانوني.
الأهلية قبل الإعاقة
عند هذه النقطة تتقاطع معظم الأسئلة التي أثارتها واقعة سما رامي عند كلمة واحدة هي "الأهلية"، فهي ليست مرادفًا للإعاقة، ولا تعني أن كل شخص من ذوي الهمم غير قادر على اتخاذ قراراته، وإنما يقصد بها قدرة الشخص على إدراك طبيعة التصرف الذي يقدم عليه وآثاره القانونية.
وتوضح وزارة الأوقاف المصرية عبر موقعها الرسمي أن الأهلية في الفقه هي صلاحية الإنسان لاكتساب الحقوق ومباشرة التصرفات، وأن العقل هو مناطها، وتعرفها لغةً بأنها "الجدارة لأمر ما"، يقال هو أهلٌ لكذا، أي جدير به، لذلك قد تنقص أو تنعدم إذا فقد الشخص الإدراك أو التمييز، بينما يظل محتفظًا بأصل حقوقه الإنسانية، ومنها حقه في الكرامة والحماية والرعاية.
ومن هنا يبرز فارق كثيرًا ما يختلط على الناس؛ فالإعاقة الذهنية ليست حكمًا قانونيًا بفقدان الأهلية، وإنما حالة صحية تختلف درجاتها من شخص إلى آخر، وقد تؤثر بدرجات متفاوتة في القدرة على الفهم واتخاذ القرار، كما أن الاضطراب النفسي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، لا يعني بالضرورة أن الشخص أصبح غير قادر على الإدراك أو الاختيار، إذ يختلف المرض النفسي عن الإعاقة الذهنية، ويختلف الاثنان معًا عن مفهوم الأهلية القانونية.
ولهذا قد يختلف الحكم بين شخصين من ذوي الهمم، حتى لو كانا يحملان الوصف نفسه، لأن الفيصل ليس نوع الإعاقة، وإنما مدى الإدراك، فإذا ثبت فقدان الأهلية، جاز للولي أن يبرم عقد الزواج نيابةً عن المولى عليه، لكن ولايته ليست حقًا مطلقًا، وإنما ترتبط بتحقيق مصلحة الشخص وحمايته.
من يملك القرار؟
عند الوصول إلى مرحلة إبرام عقد الزواج، لا تصبح الكلمة النهائية بيد شخص واحد، بل تتوزع المسؤولية بين أكثر من جهة، بحيث يؤدي كل طرف دوره في حدود ما رسمه له القانون، فلا يحل أحد محل الآخر، ولا ينفرد أحد بحسم جميع جوانب القضية.
ولا يفترض القانون أن كل شخص من ذوي الهمم يحتاج إلى من ينوب عنه في الزواج، فالأصل أن البالغ يمارس حقوقه بنفسه ما لم يثبت قانونًا خلاف ذلك، وإذا ثار خلاف بشأن مدى إدراكه أو قدرته على التعبير عن إرادته، فإن الفصل في هذه المسألة يعود إلى القضاء.
لا يصدر الطبيب كذلك حكمًا قانونيًا على أهلية الشخص، وإنما يقدم تقييمًا لحالته الصحية وقدرته على الإدراك والتمييز إذا طُلب منه ذلك، وهو من وسائل الإثبات الفنية التي قد يستعين بها القضاء عند نظر النزاع، لكن يظل تقدير هذا الدليل من سلطة المحكمة، فلها أن تأخذ به أو تنتدب خبيرًا آخر أو تطرح ما ورد فيه إذا رأت ما يبرر ذلك.
ويقتصر دور المأذون الشرعي على توثيق عقد الزواج بعد التحقق من استيفاء الشروط والإجراءات الظاهرة التي يفرضها القانون، لكن إذا تبين له عدم استيفاء تلك الشروط أو ثار نزاع قانوني لا يملك الفصل فيه، يمتنع عن توثيق العقد حتى تفصل فيه الجهة القضائية المختصة.
ولا يقف الولي خارج هذه المنظومة، لكنه أيضًا لا يملك سلطة مطلقة، فسواء في الفقه الإسلامي أو في الإطار القانوني، ترتبط ولايته دائمًا بمصلحة الشخص الذي يتولى رعايته، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لفرض إرادة الولي أو حرمان المولى عليه من حق يثبت له.
وختامًا تؤكد واقعة زواج سما رامي وما سبقها من وقائع مشابهة، أن زواج ذوي الهمم لا يحتمل الأحكام العامة أو الآراء المسبقة، فبين شخص يملك من الإدراك ما يكفي لاختيار شريك حياته، وآخر يحتاج إلى من يحميه من استغلالٍ قد لا يدركه، تتكامل أدوار الدين والقانون والطب والأسرة، ليظل المعيار هو مصلحة كل حالة على حدة، بعيدًا عن الوصم أو التعميم.