عماد أنور يكتب: حسن شحاتة.. كاريزما "وش وضهر"

من المؤكد أن كل شخص على وجه الأرض له آخر يشبهه في الملامح، كلها أو بعضها، وهو ما دلل عليه المثل الشعبي القائل: "يخلق من الشبه أربعين". لكن ربما يكون حسن شحاتة من القليلين الذين لا ينطبق عليهم هذا المثل، وربما أيضاً هو الوحيد الذي لا تخطئه عينيك إذا رأيته من الخلف.

 شارب مميز ونادر في عالم كرة القدم، وشعر كثيف عند مؤخرة رأسه منحاه الكاريزما "وش وضهر".


حسن شحاتة هو أحد أساطير كرة القدم في مصر وواحد من أمهر هدافيها، وهو أيضاً صاحب إنجاز تاريخي بتحقيق ثلاث بطولات قارية مع منتخب مصر، مدرباً. عمداً، يمكن الاكتفاء بهذه المعلومة الكروية عن الرجل، ونضيف فقط إن لقبه هو "المعلم".

الملاعب الرياضية بشكل عام، وملاعب كرة القدم خصوصاً، مليئة ببطولات وإنجازات وأرقام قياسية، فوز وخسارة، ومواقف وأحداث لا تنسى، بحلوها ومرها، لكنها كذلك مليئة بما هو أعمق من المنافسة وأقوى من حماس اللعب. منها مثلا، حالة الألفة بين لاعب ما والجماهير. حالة تتخطى فكرة الشعبية والهوس بتشجيع نادي على حساب آخر، وغالباً ما يحظى أصحاب هذه الحالة بحب جماهير الأندية المنافسة.

لا شك في أن الأخلاق والروح الرياضية العالية هما أكثر ما يؤسر الجمهور، وإذا امتزجت هاتان الخصلتان مع المهارة صنعتا ملكاً متوجاً في الملاعب وليس مجرد نجم، أما إذا كان صاحب المهارة والأخلاق والروح الرياضية العالية ممن حباهم الله بملامح متميزة ومألوفة خرج عن قاعدة "يخلق من الشبه أربعين".

حسن شحاتة أحد هؤلاء الذين لا يمكن أن تنطبق عليهم تلك القاعدة. فقد صنعت ملامحه حالة من الآلفة مع الجماهير. لاعباً شاباً في سبعينات القرن الماضي، ثم مدرباً مع منتصف الثمانينات، وحتى بعد ابتعاده عن اللعبة وظهور علامات تقدم العمر على ملامحه، ظلت الألفة كما هي، فهو مع كل مرحلة عمرية يمكن أن تتخيل علاقتك به كما شئت، فهو يليق بكل الحالات، واحد من أفراد عائلتك، أب، خال، عم، أخ، أو حتى أحد جيرانك. على أقل تقدير، قد تجزم بأنك رأيت صاحب هذا الوجه من قبل.

حتى لقب "المعلم" الذي ناله شحاتة لتميزه في مهاراته وأهدافه، جاء متسقاً تماماً مع تلك الملامح، لقب يليق بصاحب شارب كثيف وملامح مصرية حادة، لقب يليق كذلك باللاعب الوحيد الذي جعل شبكة الخيوط السميكة التي تكسو المرمى تتكلم. لا تسأل كيف حدث ذلك! فقد أقرت الجماهير بتلك المهارة الخارقة عندما احتفت بأهدافه الاستثنائية وقالت في هتافها الأشهر: "حسن شحاتة يا معلم خللي الشبكة تتكلم".

طلّة شحاتة لم تتغير وألفتها لم تتراجع، وبرغم مرور السنين وتقدم العمر، نجحت هذه الطّلة في بث الطمأنينة في قلوب جماهير نادي الزمالك عندما كانت في أمس الحاجة إلى ظهور "الأب الروحي".

حقيقة أن الحال ليس حال جماهير الزمالك وحدها، بل أن أغلب جماهير الكرة في مصر كانت هي الأخرى متعطشة لهذه الطلّة، كانت تحتاج إلى ما يذكّرها برائحة الزمن الجميل، في وقت تغيرت فيه قواعد اللعبة وغابت الكاريزما عن الملاعب، وافتقدت خلطة النجومية الكثير من أهم عناصرها.

بعد غياب طويل ورحلة مرض قصيرة، ظهر شحاتة في إحدى المباريات التي خاضها فريق الزمالك في بطولة كأس الاتحاد الأفريقي (الكونفدرالية)، وكانت أمام فريق شباب بلوزداد الجزائري. صمم الرجل على مؤازرة لاعبي الفريق، شعور الأب لا يخطئ، فقد كانت الأمور في حاجة لإعادة ترتيب والأولاد في حاجة للمساندة.

بمجرد ظهور حسن شحاتة، سيطر السكون على المدرجات. الأساطير بعد الاعتزال تدخل الملاعب كقيمة ورمز، هنا قررت الجماهير التوقف عن متابعة ما يحدث في الملعب، هي لحظات أكبر من اللعبة نفسها، توجهت الأنظار كلها إلى حيث أتى شحاتة. فجأة، دوى التصفيق، دب الحماس في نفوس لاعبي الزمالك، وجوده منحهم القوة والاطمئنان، منحهم كذلك الرغبة في تحقيق الفوز. في وجود الأب تجتهد من أجل الظهور في أحسن مستوى، ليس لديك أي حجة تثنيك عن تقديم أفضل ما لديك، خصوصاً في حضرة "معلم".

المفاجأة الحقيقية كانت في جمهور الفريق المنافس. مشجعو شباب بلوزداد وقفوا من جلستهم من أجل تحية حسن شحاتة، راحوا يصفقون ويهتفون، علموا أن تلك اللحظة قد لا تتكرر بالنسبة لهم مرة أخرى، فرفعوا هواتفهم المحمولة يتسابقون في التقاط الصور التذكارية، بينما بادلهم هو التحية من خلف السور الحديدي لمقصورة الملعب، ربما استرجعت ذاكرته هتاف عمره أكثر من نصف قرن ليحرك مشاعره ويعيد إليه شباب الروح، رفع يده اليمنى محيياً، ثم وضع يديه الاثنتين على صدره معبراً عن الامتنان، لم تغب عن وجهه نفس الابتسامة، يميزها ذلك الشارب الذي يكسوه البياض، فيزيده وقاراً عن وقاره، فالشيب حلية العقل وشيمة الوقار وفضة سبكتها التجارب.

هنا تخرج الكرة من حدود المنافسة إلى لغة الاحترام والاحتفاء برمز نجح بجدارة في تحقيق مجداً قارياً وخط سطور واحدة من أعظم فترات كرة القدم في مصر.