محمد صلاح البدري يكتب: سبوبة البالطو الأبيض!!

اطالع الشاشة المعلقة علي الحائط ..تتراقص عليها امامي صور و مشاهد من أفلام و مسلسلات و برامج.. انها التطور الطبيعي لذلك الصندوق الأسود الذي كانوا يطلقون عليه تلفاز.. لا أعرف ان كان مجمع اللغة العربية قد أقر أسماً لها أم لم يفعل بعد.. و لكن الكثيرون مازلوا يلقبونها بالتلفاز أيضا ..! أجلس امامها علي اريكتي المفضلة.. انه ذلك البرنامج الذي يستضيفون فيه أطباء من كل التخصصات ليتحدثوا عن امكاناتهم الجبارة في تخصصهم.. القناة تنتمي لوكالة إعلانية شهيرة و قديمة للغاية.. بل قد املك القول انها صاحبة الثورة الثمانينية في الإعلانات الإستهلاكية.. بدءاً من “ام طاقية حمرا” و حتي “شوكلاتة جيرسي” اللي كانت” واكلة الجو” قبل ان تندثر تحت أقدام الأنواع المستوردة !!

البرنامج لا يحاول ان يخرج عن جلباب قناته بأي حال .. فالبرنامج إعلاني في الأساس.. تستطيع ان تدرك هذا منذ الوهلة الأولي حين تجد اسم الطبيب الضيف و عنوان عيادته الخاصة بل و أرقام التليفون الخاصة به في شريط عريض أسفل الشاشة..!

في الطب لا تعد الإعلانات التجارية من هذا النوع مقبولة بالمرة..! فقط هي ثقافة شعبنا البسيط هي ما تجعل لبرنامج يعلن عن طبيب ..بل و لطبيب يعلن عن نفسه بهذه الفجاجة قيمة من اي نوع!!

المذيع “الطبيب” يحاول ان يبدو موضوعياً قدر الامكان.. انه يسأل ضيفه في أهتمام مصطنع عن أسباب الضعف الجنسي عند الرجال..! لا بأس..لا يبدو ان انبهاره مقنعاً.. و لكنه عمله علي اي حال..! لقد تمكن من ان يجعلني اشفق عليه بالفعل!!

يبدو الطبيب وقوراً للغاية و هو يتقمص دور العالم الفذ.. يشرح بوقار مصطنع الأسباب .. لقد استذكرها جيداً بالأمس .. سوف يبدو رائعاً امام مرضاه.. لقد دفع مبلغاً ليس بالقليل و ينبغي ان يدر عليه عائداً محترماً!

أستغرق الأمر فترة قصيرة لأدرك المأساة.. فالكثير من المغالطات و الأخطاء الطبية تقال علي الشاشة في هذه اللحظات..والكارثة ان المذيع “الطبيب” يؤمن علي كلامه باستفهامات من نوعية “فعلاً؟!” ..

أتناول ورقة أمامي لأحاول إحصاء الأخطاء الطبية التي تسرد أمامي.. ثم لا البث ان افقد الامل .. فالامر قد زاد عما يمكنني احصاؤه تماما!

الطريف ان برنامجاً مثل هذا لا يخضع لرقابة من أي نوع.. فقط هي معلومات المذيع الشاب الذي تخرج من كلية الطب .. و الذي يعتبر المرجع الوحيد لأي معلومة طبية يجود بها الضيف بثقة كما يفعل !! .. أذكر صديقاً كان يمقت المذاكرة تماما .. و لكنه كان يجتاز الأختبارات الشفوية في كليتنا بثقة لا حدود لها..لا ينطق بكلمة صحيحة في معظم الأحيان .. و لكنه كان سريع البديهة و موهوب في التأليف.. لا أخفيكم سراً انه كان يفلح في بعض المرات .. فقد كانت ثقته تبعث الشك في نفوس الممتحنين أنفسهم أنه قد يكون علي صواب .. وان تلك المعلومة لم تمر علي الممتحن من قبل!!

من الصعب ان تحتفظ بثقتك في معلوماتك الطبية تحديداً و انت تواجه هذه الثقة المفرطة امامك!..

انها وسيلة دعائية فقط.. لا يحمل الامر فائدة من اي نوع للمشاهد.. اللهم الا أنه قد عرف ان هناك طبيباً يحمل هذا الأسم.. و عيادته في هذا المكان .. !

المشكلة ان البرنامج ليس الوحيد من نوعه..فتلك النوعية من البرامج قد حازت علي شهرة ليست بالقليلة.. و انخفاض الوعي بين المشاهدين يجعل كثيراً منهم يثقون فيما يقال.. حتي و ان كان خطأ فجا.. هناك نظرية قديمة في علم الاجتماع تؤكد ان الإصرار علي الخطأ يجعله صواباً الي حد ما..! لا يحتمل الامر تلك الفلسفة.. حسناً.. فلنعد لموضوعنا ..

فالبرنامج باختصار – و مثيله في قنوات اخري- كارثة إعلامية و طبية.. الكثير من المعلومات الطبية المغلوطة .. و الاكثر من “تلميع” الضيف الطبيب الذي يبحث عن “زبائن” بين المشاهدين البسطاء.. لا يوجد اي تنويه ان البرنامج إعلاني “مع انه كذلك تماما”

المواضيع التي يعرضها كلها تندرج تحت بند “الطب الإستهلاكي” بين الضعف الجنسي و أطفال الانابيب و “التخسيس بأستخدام الماء” حيث يقع المشاهد فريسة بين الطبيبين…المذيع و ضيفه..!

لم يكن هذا ما تعلمناه في كليتنا الوقورة.. و لم يكن هذا ما تمنيته حين شاهدت البرنامج للمرة الأولي.. و الأخيرة علي ما يبدو!!

محمد صلاح البدري يكتب : “الترافيك” في غرفة العمليات

اقـرأ أيـضـًا:

عكاشة يتنبأ بحادث تدافع “منى”

يسري فودة عن ريهام سعيد: إحدى بالوعات الصرف الإعلامي

الصحافة السعودية بعد حادث #تدافع_منى: الحُجاج هم السبب

الأسباب الكاملة لأضخم كوارث موسم الحج منذ ربع قرن

مصدر رسمي يكشف عدد المصريين في حادث #تدافع_منى

أول فيديو من موقع حادث #تدافع_منى

.

تابعونا علي تويتر من هنا

تابعونا علي الفيس بوك من هنا