أحمد عنتر يكتب: أبي كان محاربا!

أحمد عنتر

فى صباح السادس من أكتوبر من العام 73 كانت تظلله شمسا حانية ويلفه إيمان راسخ.. الشمس تبدو غير عادية هذا الصباح، هكذا رأى وآمن عندما نظر إلى السماء فوجد الطير يحفه وزملاءه بملء الفضاء.. اليوم بدا لعينيه استثنائيا بقوة، كان ملتحفا فيه كعادته تلك الفترة سلاحه الثقيل وعزيمته الصلدة، هكذا كان أبي يوم العبور المجيد.

لم يكن الراحل يهاب شيئا، كان مقاتلا حتى في حياته العادية، قائدا حكيما يخشاه كل ملتو، أبا طيبا يحبه الجميع، دون شوْب، لذا كان يوم الحرب مقداما كعادته، متأهبا للقتال، تواقا للنصر.. كان أبي يحب قادته جميعا، يبجلهم ويقدر أدوارهم، التي حكى لي عنها جميعها بتفاصيل دقيقة غير مملة.

نرشح لك: الشهادة الكاملة لـ اللواء سمير فرج في حق الرئيس عبد الفتاح السيسي

قال لي عن هذا اليوم “ظننا أنها خدعة، سنتحرك كالمعتاد إلى شط القنال ثم ننسحب لإرباك العدو فقط، لكننا لم نكن ندرك أن اليوم سيكون يوم الكرامة”، يقول إنه همس بهذا الأمر لقائده رفعت إسكندر – الله يقدس روحه (هكذا يقول بعدما يذكر اسمه) – فابتسم الأخير في حبور وشجاعة، أو كما قال.. يحكي بفخر ويرتعد جسده زهوا، بينما تخرج الكلمات من فمه مزينة بالذكريات، التي ذهبت معه إلى عليين.
ظللت طوال حياتي أخال العظيم الراحل رجلا غير كل الرجال، أراه – يقظة وحلما – بزي الحرب مهيبا شامخا، يمسك في قبضتيه برمال الأرض، يخطو بثقة وثبات على قطعة بلادنا المستردة، رمزا جليا لامعا كالصخر في وهج الشمس.. كنت أراه رغم تلك الهيبة بادي الطيبة، عريق الملمح، بشوش الوجه، حاضر الطرفة، لا يلين أبدا وقت الصعاب ولا يمل من تقديم النصح ونثر الخير، أينما حل.

أبي كان نموذجا للبطل في نظري، نموذجا لا يهرأ ولا يهتز، إذ كان يحكي – صادقا – كيف واجه المستحيل مع رفاقه الذين لم ينسى منهم اسما واحدا، ولا موتة واحدة، بل كان دامع العينين مهتز الشفتين إذا ذكر واقعة استشهاد لأحد رفقائه، كان يقول إنهم كانوا أقرب إليه من الشقيق، تشاركوا الحياة والموت معا، الصيام والعيد معا، ذل أيام الهزيمة وآلامها، وحلاوة النصر وآماله، كما سمع من الرئيس الراحل أنور السادات.
أبي ذلك الراحل العظيم، كان مكتفيا بنفسه، فلاحا يحمل رسالته مع فأسه، دائم التفاؤل، لكنه في الوقت نفسه شديد الحذر.. كان مقاتلا مثاليا، وأبا مثاليا كذلك، لم ينس في كل مراحل حياته المسؤولية على اختلاف شدتها، ولم يكن مريضا بإلقاء اللوم على غيره، كان يتحمل ويتحمل ويوجه ويقدر، كان مختالا بإنجازاته فخورا بصبره ومثابرته وأبنائه، ولم يكن يوما ناسيا للجميل، ناكرا لفضل الحرب في نفسه، كان يقول دوما إن النصر صنع منه رجلا مختلفا بأحلام مختلفة.

كان أبي يحمل الذكريات حملا، مثقلا بما تمثله من دروس وعبر، كان يكفيه أنه يقاتل في الحياة كما قاتل في 6 أكتوبر 73، وكان يمتعه ذكر الأحبة من رفاق الدرب، حتى على سرير الموت بعد عشرات السنوات من الانتصار المجيد، كان يكفيه كل هذا المجد الذي قال عنه القائد السادات “لست أظنكم تتوقعون مني أن أقف أمامكم لكي نتفاخر معا ونتباهى بما حققناه في أحد عشر يوما من أهم وأخطر بل وأعظم وأمجد أيام التاريخ”، كان يكفيه أنه كان بطلا، بينما يكفيني حتى هذه اللحظة أنه كان أبي!

على الهامش:
على تلك المقالة فقط استأذنت أن أضع صورة أبي بدلا من صورتي، حتى يكون مطمئنا في عليين أنه ترك ابنا فخورا به، سائرا على دربه – كلما استطاع – في العطاء والمثابرة والحكمة، ترك ابنا يحمل، مع ملامحه وروحه، مسؤولية الحفاظ على ذكرياته ورسالته ومجده السابح معه في الملكوت، إلى روحك السلام والمحبة والمجد يا أبي.

أحمد عنتر