محمد وليد بركات يكتب: خيال السلطان!

على أنغام الموسيقى العربية والغربية قضيت ليلة ساحرة في رحاب قلعة صلاح الدين الأيوبي، حيث مهرجان “محكى القلعة” للموسيقى والغناء الذي تنظمه دار الأوبرا المصرية العريقة، أضاءت الأنوار جدران القلعة المظلمة، فطردت منها أشباح الظلام، تماما كما بناها السلطان الناصر ليحمي القاهرة ويقيها هجمات الصليبيين الظلاميين، واليوم تلعب القلعة ذات الدور، ولكنها تطرد بالفن الراقي ظلام النفوس، وتبدد وحشة العقول، وسقيم الأذواق.

على مدار خمسة عشر يومًا، تشهد القلعة تسعة وعشرين حفلا موسيقيا وغنائيًا، شاركت فيه فرق متعددة المشارب، وأمامها جلست الجماهير كما جلس من قبل أجداد أجدادهم جنودًا في القلعة يحمون الوطن ويذودون عنه، ما كان السلطان يحلم يوما أن القلعة التي اتخذ منها مقرًا لحكمه وهكذا استمرت لنحو سبعة قرون، أن تستحيل مسرحا مكشوفا لألوان الفنون، وما كان يخطر بباله أن تقضي ليلها ساهرة ساحرة.

حسنًا فعلت الدولة المصرية عندما نفذت تلك الفكرة، وكم كنت أتمنى لو تم تعميم التجربة في عدة محافظات أخرى، في أماكن ذات طابع أثري، وبرسوم رمزية؛ ليرى المصريون عظمة أجدادهم، وجمال تراثهم، يلمسونه ويتفاعلون معه، ينغرس في وجدان الصبية، ويرتسم في عيون الصبايا، هذه أرضي أنا.. أبي ضحى هنا.. وجدي بناها لنا..

الثقافة سلاحنا الأخطر، والأهم، والأكثر والأدوم تأثيرا في حربنا ضد التطرف، الذي هو مقدمة الإرهاب وأكسجينه الذي يتنفسه، الثقافة مظلة شاملة تشمل التعليم، الإعلام، الدعوة الدينية، الفنون بألوانها، لقد ساد التطرف في أوروبا في العصور الوسطى، فأدارت علينا رحى الحملات الصليبية لقرنين من الزمان، وفي مطلع الألفية الثالثة أوردنا التطرف موارد الهلاك، فجرّ الغزاة، وفتت البلاد، وشتت العباد، وأدخلنا في دوامة لا يعرف أحد متى تنتهي إلا الله وحده.

التطرف قبح، والاعتدال جمال، ومن لا يتذوق الجمال ويشمه ويلمسه، لا يأنف للقبح بل يألفه، وأخطر ما يمكن أن يدمر مجتمعا هو أن يسود القبح ليكون قاعدة وشائعا ومقبولا، لقد حارب السلطان بالسيف.. وعلينا اليوم أن نحارب بالقلم والكاميرا والكمان والأغنية والفيلم.. وهذا ما لم يخطر يوما بخيال السلطان!