عمرو قورة يكتب: الإنتاج الدرامى الشقلوب

نقلاً عن “المصري اليوم”

تُعتبر مصر هى قلعة الإنتاج الدرامي فى العالم العربي.. وتنتج كل عام عشرات الساعات الدرامية، وبالذات فى موسم رمضان، حيث ترتفع أسعار الشراء وتتضاعف الميزانيات الإعلانية.. ولكن مع كل هذا الزخم والتطور فى تكنولوجيا الصورة وظهور مخرجين وفنيين متميزين، فمازلنا عاجزين عن اختراق السوق العالمية والخروج خارج نطاق الدول العربية.. وهو حلم يراود المنتجين المصريين منذ زمن بعيد.. ونجح فيه منتجو دول مثل تركيا والهند والمكسيك وغزوا أسواق العالم التليفزيونية.. بينما نستمر نحن فى مصر فى الفشل فى تحقيق هذا الحلم بعيد المنال.

ولكى نجد حلا وأملا فى تحقيق هذا الحلم.. يجب أن نعقد مقارنة بين أسلوبى الإنتاج الدرامى حول العالم ومثيله فى مصر والعالم العربى.. وقد يقودنا إلى قلب المشكلة، التى أصبحت مزمنة، وبدون تصحيحها سنظل حبيسين داخل منطقتنا العربية، ففى العالم المتقدم أو حتى النصف متقدم.. يبدأ المشروع الدرامى بفكرة.. يتقدم بها كاتب- عن طريق وكيله- إلى منتج أو أكثر.. ولو اهتم المنتج بالفكرة.. فسيطلب من الكاتب تفاصيل أكثر، وهناك نموذج معتمد يتقدم فيه الكاتب بفكرته، يشرح فيها الموضوع والعالم الذى يحيط بالشخصيات والشخصيات الرئيسية والتتابعات.. ثم ينتقل المشروع إلى حيز التنفيذ، فيقوم الكاتب بكتابة الحلقة البايلوت، بالإضافة إلى ملخص لجميع الحلقات فى الموسم.. ثم يبحث المنتج والكاتب سويا عن مخرج يستطيع ترجمة هذا الموضوع فى أفضل صورة.. ويجتمع الاثنان مع أكثر من مخرج حتى يتم اختيار أكثرهم ملاءمة للموضوع.. ثم.. (وثم دى مهمة) يبدآن سويا فى مرحلة ترشيحات الممثلين والنجوم التى تلائم العمل.. أو فى حالة السينما النجوم التى تجتذب الجمهور لشباك التذاكر.. وقد اختصصت السينما لأن الدراما التليفزيونية عادة تبتعد عن النجوم، لأن أصل الدراما التليفزيونية هو السيناريو وليس اسم البطل..

وبهذا، فإن الممثل يتعاقد على عمل معروف موضوعه مسبقا.. وله مخرج ورؤية وخطة.. ولا يستطيع البطل أو البطلة- مهما بلغت نجوميتهما- تعديل النص أو تفصيل الدور عليهما إلا فى حدود ضيقة جدا، وبعد اجتماعات مطولة مع الكاتب والمخرج حتى يوافقا على أى تعديل يطرأ على السيناريو.. فيخرج العمل متكاملا ومتوازنا وجيدا.. ولمجرد العلم بالشىء، فإن بعض الحلقات التليفزيونية الشهيرة تُعاد كتابتها عشرات المرات حتى تكون خالية من أى تطويل أو مطّ أو مشاهد لا معنى لها ولا تخدم الدراما..

تعالوا بقى فى مصر..

يبدأ المنتج فى السعى وراء توقيع أحد النجوم أو النجمات أولاً.. بدون وجود موضوع ولا كاتب ولا مخرج من أساسه.. فالهدف الوحيد هو الحصول على توقيع النجم المطلوب من القنوات.. ويعرض كل منتج مبالغ خرافية على نجوم حتى يسبق زملاءه ويظفر بالتوقيع الميمون.. ثم يتوجه إلى أقرب قناة ويبشر مسؤوليها بأنه وقّع مع «فلان أو فلانة».. فيسيل لعاب القنوات.. حتى لو لم تكن هناك أى أمارة عن نوعية المسلسل.. لكن الأهم هو إعلان أن القناة قد تعاقدت على مسلسل نجم النجوم قبل منافسيها.. وهنا تنتهى مرحلة المنتج الأصلى..

فالنجم الذى استطاع الحصول على ملايين بدون وجود حتى موضوع.. يعلم أنه أو أنها لن يُرد له أو لها طلب.. فيبدأ النجم فى مباشرة مسؤوليات المنتج.. فيبحث عن أكثر من موضوع، ويقابل الكتاب.. ويقارن بين الأفكار.. وفى عقله فكرة واحدة فقط… كيف سيخدم النص نجوميته ويزيد من أجره فى المواسم القادمة… وطبعا بما أن النجم هو مَن يختار الكاتب.. فسيظل الكاتب أسيرا لرغبات النجم ويكتب ويغير حسب تعليمات البطل وليس المنتج صاحب العمل الأصلى.. لتنجيم النجم وبَرْوَزَته والتركيز عليه..

ثم يأتى الدور على المخرج.. ونفس الشىء يتكرر، حيث يقرر النجم اسم المخرج، ويا ريت يكون أحد المخرجين الملاكى.. مع بعض الاعتراض الوجيز للمنتج، بحجة أن هذا المخرج بطىء أو يتكلف كثيرا، فيتم الاتفاق على حل وسط لمخرج يعجب النجم ويوفر فلوس المنتج.. وطبعا بما أن النجم هو اللى اختاره.. فسيضطر المخرج إلى أن يسمع كلام النجم ويُكبِّر من دوره ويحذف من الأدوار الأخرى.. فيخرج العمل مشوها ومعوجا تجاه النجم، الذى اختار والذى لا يمكن أن نعصى له أمرا!

وهكذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة من منتج يريد النجم أولاً، لأن القناة تبحث عن الاسم وليس الموضوع.. ثم يُترك الأمر فى يد البطل والبطلة، وفى أوقات كثيرة لا يقرأ المنتج الحلقات من الأصل.. فهو باع، ومش محتاج يتعب نفسه!

هذا المنطق والأسلوب المقلوب هو أحد الأسباب الرئيسية لتخلف الدراما المصرية والعربية وتأخرها عن زميلاتها فى دول كثيرة نجحت فى الوصول للسوق العالمية وعليها طلبات لمسلسلات أخرى فى المستقبل.. فلا يجب أن ننسى أن الوقت الذى يستهلكه الكاتب فى كتابة النص والتتابع يصل إلى عام كامل، قبل أن يفكر أحد فى تصوير أى مشهد.. وطبعا موضوع الـ30 حلقة الرمضانية، والذى يساهم فى مطّ وتطويل مسلسلات لا تتحمل قصتها أكثر من عشر حلقات بالكثير.. وأسباب أخرى.

(هذا الكلام ينطبق على 60% من الإنتاج.. فهناك العديدون- وإن كان عددهم أقل- الذين يحاولون تغيير هذا الأسلوب العكسى ويقرأون ويدققون، ولكنهم ليسوا الغالبية).