مروى جوهر تكتب: الله يسامحك

لم أشعر في حياتي كلها مثلما شعرت خلال ديسمبر 2016، وكأنني طعام ينضج على مهل حتى استوى، لكنني أعرف أننا جميعا مهما بلغنا من الاستزادة في أي شيء، فسقفنا السماء، فمتى تأكدت أنك الأحسن في أي شيء تفعله، فقد رسمت حدودك بنفسك وأتحت الفرصة لمن هم دونك في المستوى للتفوق عليك، أدركت أني نضجت حد النضج الذي يسمح لي بالتسامح مع نفسي التي طالما قسوت عليها لأتفه الأشياء، والتسامح ومع الناس، ومع من آذانى وهو الأصعب على الاطلاق، تأكدت أن حياتنا مهما بلغت عدد سنواتها فهي قصيرة جداً، وبالنظر إلى الوراء قليلا أدركت أن كل ما فكرت به بقوة أصبح حقيقة، لأنني سعيت لألمسه واقعا أعيشه، وقد أصبح فعلا، فعل لابد أن يُرد إليَّ يوما ما ومهما طال الزمن، هذه هي العدالة الإلهية، وكانت مشاجرتي مع نفسي من أجل التسامح عنيفة، عسى أن يسامحني من أخطأت في حقهم يوما ما، وأنت هل تتذكر مقولة كنا نرددها صغارا عندما لا يعجبنا كلام أصدقائنا أو أقربائنا  “الكلمة هتلف تلف وترجع لك”، مقولة ضحكنا كلما تذكرناها كباراً لكنها كانت الأصدق.

ومن وراء باب موارب مازلت أحاول فتحه، أنظر للسنة الجديدة وقد تغيرت، وتبدل الانكسار بقوة، واليأس بأمل، والتردد بقرار، والهروب بمواجهة، واختلفت الأشياء، وتبدلت الأحوال، واستطعت أن أنظر إلى الدنيا من زوايا أخرى بعد أن كنت أجزم أن زاويتي هي الأصح، ما عُدت أبكي على فقد الأشياء، وما عُدت أعطي أنُاسا فوق قدرهم، وما عُدت أنبهر، بل كل شخص وشيء في مكانه الصحيح، وجاءت نهاية ديسمبر في ترقب وبداية يناير 2017 وجميعنا نتمنى سنة سعيدة لبعضنا البعض، بإخلاص أو بنفاق، الكُل تمنى والكُل يعرف في قرارة نفسه أنها لن تكون في منتهى السعادة أو منتهى التعاسة، إنما هي الخلطة التي لابد أن تتقبلها كما هي فتكون إجمالا وليس تفصيلا كذلك أو كذلك.

سوف نمُر بحلوها ومرها جميعا، بها ومعها إلى ما شاء الله أن يكون، لكن الأهم في كل ذلك، وفي وسط زحام قلبك، لا تنسى أن ترسل خيراً لتسترده مرة أخرى، فكل ما ترسله مردود إليك مرة أخرى، فإن أرسلت حُبًا فسوف تستقبل الحب يوما ما، وإن أرسلت غدرا فأنت مغدور به في يوم ليس ببعيد، والكون لا يعرف المجاملات كما تعرفها أنت، فكل شيء محسوب في السماء العليا، فقط فكر قليلا قبل أن تفكر في شيء أو تفعله، فيؤذي شخصاً تحبه، أوتعرفه أو حتى لا تعرفه، فقد يجنبك تفكيرك القليل مردود دائرة فعلك حينما ينزل بك شر من حيث لا تدري وتتساءل من أين يأتي وأنا لا أفعل شيئا سيئاً؟

فإن فعلت، فإنك تعبر لنفسك عن حبك لها دون أن تدري، وتجنبها وقتا عظيما من المعاناة والقلق والحزن، فنحن لم نتعلم فن حب النفس في المنهج التعليمي المقرر، ولم يعلمنا آباؤنا “أن نحب أنفسنا” خشية الغرور والتعالي، لكنه حُب يجب أن تقع فيه دون جدال، فلو أنك أحببت نفسك حُبا صحيحا، فسوف تسامح كل من أساء إليك، لأن حب الانتقام المستتر بتفويض أمرك إلى الله وبداخلك الرغبة في رؤية الانتقام، مضيعة لطاقة كانت من الممكن أن تجلب لك الكثير من الخير، سوف تنفق الوقت وتهدره في مشاعر عجنها الغل وخبزها، في حين تتألم روحك أنت فقط، فإن أحببت نفسك كنت لها خير ناصحا وجليسا، فجنبتها كل ذلك، وإن أحببتها تغاضيت عن عيوب الخلق والحكم عليهم، فأنت لست بكامل ولن تكون، وإن أحببتها أردت للآخرين كل الخير لأنك تعلم أنه آت لا محالة، وإن أحببتها كُنت ضيفا خفيفا على من أحببت إذا ما ضاقوا بك فيعرفون قدرك، وإن أحببتها واظبت على خدمة آبائك وتحملهم في كبرهم والدعاء لهم بعد الممات، فأنت لست بمُخلد، وإن أحببتها كنت دعما وسندا لكل صديق قابلته في رحلتك فأحوال الدنيا تدور في عجب، ومن علامات حب النفس مجاهدتها على اجتناب كل سيئ ومسيء لأنه ولا عجب “يلف يلف ويرجعلك”.

لا.. لسنا ملائكة يفعلون ما يؤمرون ولسنا شياطين لا تفعل إلا شرا في الكون، بل فضلنا الله على جميع خلقه، وقد أُعطيت حق الاختيار، فاستغل فرصتك بشدة فيما تبقى لك وأحبب نفسك، ولتتذكر معي عندما لعبنا صغارا وأغضبتك، فما كان منك إلا أن قُلت “الله يسامحك”، وبعد أن كبرنا أطلب منك وبشدة أن تسامحني أنت أيضاً.