طارق الشناوي يكتب : عرائس الماريونيت!!

نقلاً عن المصري اليوم

بين الحين والآخر تتم التضحية بمذيع يجد نفسه في لحظات خارج نطاق الخدمة، ولن تفلح أبدا أي محاولات لإعادته، إلا إذا تاب وأناب وأعلن أنه قد استوعب تماما الدرس، صدقوني إنها ليست حكاية مذيع سواء اتفقت أو اختلفت معه أو عليه في مهنيته أو كفاءته، ولكنه مناخ عام لم يعد يرحب سوى بالصوت واللحن الواحد.

البعض يُطل على الحكاية من الفصل الأخير، لحظة انتشار خبر توقف عدد من مقدمي البرامج، متجاهلا أننا يجب أن نبدأ بالمقدمة ثم نتابع باقي الفصول، المقدمة تؤكد أن السلطة ترى أن الإعلام صار يشكل الرأي العام بنسبة كبيرة، وهناك أيضا اعتقاد راسخ بدور رئيسي للفضائيات في الدفع بقوة لنجاح ثورتي 25 و30، كان الإعلام الخاص في ثورة 25 يناير ينحاز في البداية إلى مبارك ولكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يتجاهل الثورة المشتعلة في الشارع، بينما القنوات الأخرى الأجنبية مثل (الحرة) والـ(بي بي سي) و(سكاي نيوز) لم يكن لديها حسابات مع مبارك ولا تخشى غضب السلطة، فكان من البديهي أن تنحاز للشعب لأنها من الصعب أن تغض الطرف عما يجري في الشارع، بينما مكاتب القنوات الفضائية العربية مثل (الجزيرة) و(العربية) كان قرارها مع اختلاف الدرجة والدوافع أنها مع الثورة. الإعلام المصري الخاص تلقى إشارات غير مباشرة بأن هناك ضوءا أخضر يسمح بالخروج عن طاعة الرئيس واختراق التعليمات التي كانت تحول دون الوصول لمن يقطن القصر، لو أجرينا دراسة على أغنية (إزاي) لمحمد منير تستطيع أن تُصبح هي الترمومتر الذي نقيس به حرية الإعلام الخاص خلال الـ18 يوما زمن الثورة، كان الشريط المرئي المصاحب للأغنية هو المفتاح، في بداية عرضها كنت تلمح تواجدا لمبارك وكأن الأغنية تستنجد به، على طريقة الحقنا يا ريس، ثم بدأت تتضاءل صور مبارك ونرى غضب الشارع، وبعد أن صار مبارك خارج الصورة تماما شاهدنا الدبابة التي كان مكتوبا عليها (يسقط حسني مبارك) رغم أنه كان لا يزال وقتها القائد الأعلى للقوات المسلحة.

الفضائيات في زمن مرسي وجدت فرصة ذهبية للتمتع بمساحة غير مسبوقة في الانتقاد ولأول مرة يشارك إعلام ماسبيرو في إعلان الغضب، وشاهدنا مذيعين في مبنى التليفزيون لم يعرف عنهم من قبل أي مواقف سوى التأييد المطلق للنظام، هؤلاء فجأة صاروا يدلون برأيهم ضد الحكم، رأيت أحدهم يلقي بالميكروفون بعيدا وهو يقول (مش لاعب)، وهناك من وصف النشرة بأنها نشرة الإخوان ولن يشارك فيها، بالتأكيد لعب القطاع الخاص، وتحديدا باسم يوسف، الدور الأكبر في إسقاط الهيبة عن مرسي، كان معدل السخرية قد وصل للذروة، وعندما تريد التخلص من مسؤول كبير ابدأ بالسخرية وحاول الوصول للذروة، نعم الشعب في الثورتين كان صاحب القرار ولكن لا أحد يغفل دور الإعلام كعامل محفز. وهكذا أصبحت السيطرة على الإعلام الخاص هاجسا للسلطة، وبالطبع لم يفكر أحد في دور مؤثر لإعلام الدولة (ماسبيرو)، فهو منذ ثورة 25 يناير يسبح خارج الزمن متجها إلى بحر الظلمات.

كانت تلك هي المقدمة وتتابعت الفصول، الإعلام ليس مطلق اليد في توجهه فكان ينبغي أن يتم التلقين وقبلها الغربلة بين المذيعين حتى يدركوا أن العين الحمراء ستزداد إحمرارا.

انظر الخريطة الآن ستكتشف ببساطة أن عددا من الإعلاميين أصبحوا يقفون خارج الملعب، ولو طبقت عليهم قانون العرض والطلب، ستجدهم بلغة السوق بضاعة راكدة، إلا إذا أذعنوا للشروط وهى أن النظام لا يرحب بأي صوت خارج المنظومة، وهكذا صار النقد ممنوعا والزعل غير مرفوع. عدد كبير من الإعلاميين الواقفين على الخط أو الذين في طريقهم كانوا من مؤيدي السلطة بل ويدركون تماما أن أي تغيير سيطيح بهم، هم من أنصار السلطة في الحد الأدنى لضمان بقائهم، إلا أنهم في نفس الوقت يتوقون إلى مساحة من الحرية، النظام يراه شغبا وفي أحسن الحالات ترفا غير مطلوب في هذا التوقيت، فكان هناك قرار الاستبعاد، هناك ولاشك درجة من الانتقاء والفرز وهكذا صارت أسماء مثل محمود سعد وريم ماجد ودينا عبدالرحمن ويسري فودة وغيرهم مستبعدة من الإعلام المصري الخاص، ولن أتحدث بالطبع عن باسم يوسف فهو ينظر إليه باعتباره العدو الأكبر.

المطلوب لكي تستمر أمام الكاميرا وعلى الشاشة هو البعد عن السياسة، مبكرا اكتشفت منى الشاذلي ذلك وقررت الاكتفاء ببرنامج ترفيهي فني اجتماعي، وهو ما عرضته مثلا مؤخرا (الأوربت) على محمود سعد وذلك في أعقاب ذهاب عمرو أديب إلى (أون تي في)، واعتذر محمود.

وجاءت واقعة الشاب خريج (التوك توك) لنكتشف حالة الهلع التي أصابت الدولة، حتى أنها ردت عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واضطر عمرو الليثي إلى إعلان أنه في إجازة سنوية وأنه بصدد تلقي علاج للغدة الدرقية ويحتاج إلى راحة بضعة أسابيع، كانت حالة رانيا بدوي أكثر مباشرة فهي قد تم إبعادها في ليلة عرسها على (أون تي في)، ولم تقل إجازة مفتوحة ولكن إقالة وبيان صريح بسبب وزيرة الاستثمار داليا خورشيد، مما اعتبر تطاولا عندما وصفتها بأنها من أسوأ الوزراء ولا تنسى حرف الجر (من)، أي أنها ليست الأسوأ في المطلق، ولكنها لم تنتقد رانيا الوزيرة كإنسان ولكن كمسؤول وهو ما يبيحه القانون، ورغم ذلك بدأنا نسمع عن مخالفة المهنية، على أساس أن إعلامنا على سنجة عشرة ويطبق المهنية بحذافيرها، رغم أننا كثيرا ما رأينا عبر الفضائيات اتهامات تطول الأعراض وسلم لي ع المهنية.

هناك خط سياسي واضح لن يُسمح بالخروج عليه، يحرك تلك المنظومة، وهناك سلطة لن تتهاون في العقاب، برغم تدفق ولادة عدد كبير من القنوات المؤيدة، إلا أن السيطرة على كل الفضائيات هى الهدف الأسمى، القبضة الحديدية لن تمنع، في ظل انتشار شبكات التواصل، من ظهور إعلام بديل سيحرك الشارع، وستسقط تباعا (عرائس الماريونيت)!!.