حمدي عبد الرحيم يكتب : عندما أرسلني أهلي إلي السينما لأتخلص من توحدي

 نقلاً عن “مجلة فرجة”

لماذا يبدو ذهابي إلى دار عرض سينمائي لأول مرة في حياتي كحدث جلّل؟.
أمامنا أكثر من ألف كلمة لشرح القصة والعنوان .
أصبتُ في طفولتي المبكرة بعاهة اليتم ، ثم خرجتُ ككل الأطفال إلى الشارع للعب مع أولاد الجيران ، كان توقيت خروجي خاطئًا ، لأنني لم أكن تعافيت بعد من اثر العاهة ، ولذا فقد ظننت أن مجيء كلمة ” أب ” على لسان أي رفيق ، ما هي إلا معايرة مستترة لي .

ولكي أضع النقاط على الحروف فقد تجبرتُ وطلبت من الرفاق ألا يذكروا الآباء ، استجاب لي بعضهم على مضض ، ونسى الآخرون مطلبي فحلقت الكارثة فوق جلساتنا ونعق غراب الشقاق فوق ألعابنا الفقيرة أساسًا .
كنت إذا ذكر أحدهم أباه أكور يدي اليمني بطريقة تلقائية وآلية تمامًا وأسدد لكمة قاسية لأنفه ، فينزف الدم وتشتعل المعركة وأشعر براحة غريبة بوقوع الخصام .

صبر الرفاق على سوء خلقي مرة واثنتين ولكنهم في النهاية قاطعوني بدعوى جنوني المؤكد .
مقاطعة الرفاق مع وصمي بالجنون جعلتني طفلًا متوحدًا.
ألوان توحدي تمثلت ْ في سماعي للراديو ( لم نكن قد عرفنا التلفاز بعد ) منذ قرآن السادسة صباحًا وحتى سباعية التي تبثها إذاعة صوت العرب في الثانية عشرة من منتصف الليل ، كان عكوفي يتخذ سمت نبي صغير يتلقّي وحيًا مُنزلًا .
أتكلم مع صور أغلفة المجلات والكتب الملونة ، وما كان أكثرها في بيتنا .

أسمع مناقشات إخوتي الكبار أفهم قليلها ويستعصى عليّ معظمها ، ولكنها جميعًا تسكن ذاكرتي بدون إرادة مني .
إذًا لا رفاق ( فأنا عندهم سيء الخلق مجنون ) ولا ألعاب ( حتي لو كانت أحصنة طينية ) ولا تقارب بيني وبين إخوتي في السن ، أكبرهم ( سيصبح أبي ) بيني وبينه عشرون سنة ، والذي قبلي مباشرة تفصل بيننا ست سنوات ، أنا ابن لكل هؤلاء الذين لا يكفون عن الكلام ، إنهم يتكلمون دائمًا لا يسكتهم سوى النوم ، يتحدثون عن الذي فوق العرش وعن الذي تحت الثري !!

في أحاديثهم عن السينما لا يتفقون سوى على شيء واحد اسمه المخرج .
اسمعهم يقولون بنبرات قاطعة :” المخرج هو الكل في الكل ، المخرج هو ملك الفيلم المتوج ، لولا المخرج لهلك الفيلم ، هذا المخرج أمات الفيلم و………..”.
على ماسبق فمن حق طفل له عشر سنوات مصاب بعاهتي اليتم والتوحد أن يؤمن أن المخرج هو بطل الفيلم .

أصبح وجودي في غرفة الكتب والمجلات محتضنًا الراديو من العلامات الجغرافية لبيتنا التي ترقى لدرجة البديهيات التي لا يناقشها أحد ، ولذا كان الأمر غريبًا جدًا عندما قال لي شقيقي الحاج مندي ( يكبرني بحوالي خمس عشرة سنة ) :” لابد أن تغادر هذه الغرفة ، ستغادرها اليوم ، بل الآن ، اذهب يا سيدي إلى ، إلى ، إلى السينما مثلًا ، لماذا لا تذهب إلى السينما ؟”.

فوجئت بتطور سريع للأحداث بانعقاد مجلس أسري لتقرير إرسالي إلى السينما .
رحب الجميع بقرار الحاج مندي الذي موّل الرحلة بنصف جنيه كاملًا غير منقوص .
بيت أبي في قرية التمساحية التابعة لمركز القوصية التابع لمحافظة أسيوط ، وفي القوصية دار السينما الوحيدة ، والرحلة شاقة لأن بيننا وبين القوصية عشرة كيلو مترات .

مثل خارج من كهف يواجه سطوع الشمس ركبت الحمارة ( هناك عداء صليبي بين عائلتي واقتناء ذكور الحمير ) وتوجهت إلى القوصية مزودًا بنصيحتين ثمينتين ، الأولى ألا أتشاجر مع العيال الذين يذكرون آباءهم ، الثانية ألا يفلت مني مشهدًا من الفيلم لأني سأقص أحداثه كاملة على أسرتي عندما أعود .
رتلت ما أحفظ من القرآن لكي يوفقني الله وألتزم بتنفيذ النصيحتين .

كان قلبي يدق بعنف كذاهب إلى مجهول ، سوف ألتقي بالمخرج وأراه وأعود لأخبر أسرتي بتعرفي عليه .
السيارات النادرة التي تمر بالشوارع وحوش من الحديد لا شأن لنا بها ، حمارتي الآن لدي خالتي ” تناظر” التي ترعى الركائب مقابل قرش يوميًا ، مالي الكثير في جيبي رغم شرائي للأهرام والأخبار والجمهورية لأسرتي وللكرة والملاعب لي لأتابع أخبار فريق الزمالك ناديّ الحبيب ، وفي قلبي شغف لا مزيد عليه لكي أري المخرج .

سينما القوصية من سينمات الدرجة الثالثة ، ولكن الهوى قتّال يا صاحبي ، فدع عنك التصنيف ورائحة السجائر والعرق بل والبول ( بعضهم كان يفعلها في الزوايا ) ودع عنك تهالك المقاعد وتساقط الطلاء وضجيج البائعة وتوحد مع الطفل المتوحد الذي يدخل السينما لكي يرى المخرج كما يظن هو ولكي يشفى من توحده كما يتوقع أهله .
السينما تعرض ثلاثة أفلام ، فيلم قديم هو ” التلميذة ” يليه فيلم بالألوان الطبيعية لم أعد أذكر منه سوى أن بطلته شمس البارودي تجري في الشوارع شبه عارية وهي تلطم خديها وتصيح :” مستقبلي ضاع يا ماما”
والفيلم الثالث وهو بالألوان الطبيعية أيضًا عن تحدي بروسلى لشيء ما.

أفيش فيلم التلميذة عليه أسماء شادية وحسن يوسف وفؤاد المهندس وأمينة رزق ، وهؤلاء أعرفهم جميعًا من مسلسلات الراديو ومن صورهم المنشورة في المجلات والجرائد ، ولكن أين صورة المخرج ؟.
لا أظن أن التذكرة كانت بأكثر من عشرة قروش ، دفعتها راضيًا ودخلت إلى القاعة المظلمة ، اخترت مقعدًا وجلست عليه وأنا لا أعرف من أي زاوية سيظهر الممثلون ( ليتني سألت إخوتي ) غالبت خجلي وسألت جاري فقال إن جلستي سليمة وإن الممثلين سيظهرون من تلك اللوحة البيضاء.

كدت أسأله عن المخرج ولكن تراجعت ، ليقيني بأنني سأعرفه من تلقاء نفسي .
ثم جاء الفيلم جاء ، ثمة استعلاء يغزو المتوحد تجاه جيرانه في القاعة ، المتوحد يصاحب شادية منذ زمن بعيد ، يستنكف المتوحد أن تعامله كما تعاملهم ، يريدها أن تنظر إليه نظرة خاصة ، أليس بينه وبينها ود قديم من يوم غنت ” غاب القمر يا ابن عمي ” ؟
سيغفرها لشادية جزاء مرحها ، إنها هنا مرحة ولا تنوح كما ناحت :” والله يا زمن ما بادينا زرعنا الشوك ولا رواينا يا زمن “.

شادية ابنة الخادمة أمينة رزق تحب ابن الباشاوات حسن يوسف ، أم حسن ترفض هذا الحب ، شادية لا تحب أمها ( هذا ثقيل جدًا على قلبي فأنا أحب أمي ) والد شادية مات ، ما العمل ؟ هكذا أنا ممزق بين التعاطف مع يتيمة مثلي والنفور من كارهة أمها ، شادية تهرب وتصنع شيئًا يبدو كالعيب ، ما هو العيب ؟.
العيب هو أن تكشف المرأة شعرها ، فما بالك لو كشفت عن كتفيها وفخذيها ، ثم العيب أن تكره أمها والعيب ألا تقبل يد أمها ، ولكن الحب ليس عيبًا ، إخوتي يتحدثون دائمًا عن الحب جهارًا .

يجب أن أهدأ لكي لا تضيع مني خيوط القصة ، ولكن أين المخرج ؟
هدفي الأول هو مشاهدة المخرج ، ولذا تجرأت وسألت جاري :” أين المخرج ؟ ”
رد متأففًا :” أي مخرج ؟ ”
قلت :” مخرج الفيلم “.
قال :” اسمه حسن الإمام ”
قلت :” ولماذا لم يظهر حتى الآن ؟ “.
قال بغضب :” المخرج لا يمثل ، واقعد ساكت “.
قعدت ساكتًا والدموع تنزل على قلبي ، شفقة ورحمة بالبنت المسكينة اليتيمة التي عن ارتاحت يومًا شقيتْ يومين ، أريدها الآن أن تعود مرحة وتغني :” سونة يا سونسن جتلك أهو “.
لقد اختفى بريق عينيها ، وشاختْ ” قُصة ” شعرها ، هل هناك رجل عجوز يريد أن يفعل معها العيب والحرام ، هل تنكفئ كأمها الخادمة غاسلةً وساخات الناس ؟.

أنا حزين من أجل شادية ، حتى لقد نسيت أمر المخرج الذي لم يظهر ، هل جاء ” سونسن ” إلى بيت أمها ليطلب يدها ؟ أم هذا ما أحلم به لكي تعود مرحة مرة ثانية .
أظلمت الشاشة معلنة انتهاء فيلم شادية ، لم أتحرك ، لقد أقعدني الحزن ، ما كان لي أن أطيع أمر الحاج مندي وأترك حديثي مع أغلفة مجلاتي .
أضاءت الشاشة فرأيت شمس البارودي ( في بيتنا كارت بوستال لها ) وهي تجري في الشوارع شبه عارية لاطمة خديها ، كل هذا كثير وثقيل على طفل متوحد .

عدت إلى بيت أبي بغير الوجه الذي غادرته به ، لم يجرؤ أحد من آبائي على سؤالي ، لقد خلوا بيني وبين أغلفة مجلاتي وصوت الراديو ، أنام دامع القلب لمصير شادية ، وأصحو منتظرًا أن تمرح وتضحك وهي تغني سونة يا سونسن جتلك أهو “.
مرتْ أربعون سنة على رحلتي الأولى إلى السينما ، شادية الآن في الخامسة والثمانين وأنا الآن في الخمسين وما تزال السينما هى كهفي الذي أتخلص فيه من توحدي متوحدًا مع ظلال وأضواء ومرح بنت شقية يتيمة .

اقرأ أيضًا:

حمدي عبد الرحيم يكتب : حكايتي مع الرجل الدوّار

حمدي عبد الرحيم يكتب : لابد من علاء الديب وإن طال السفر

.

تابعونا علي الفيس بوك من هنا

تابعونا علي تويتر من هنا