"بابا جه".. أكرم حسني ربح الرهان

"كل شيء يبدأ من المنزل".. هكذا تبدأ المشكلات النفسية لدى الناس. وفي مسلسل "بابا جه" نرى ذلك التجسيد العملي للمقولة، في إطار اجتماعي كوميدي، وشخصيات كاريكاتيرية. فكل المشاكل منبعها أسرية، وأبوية في المقام الأول.

مسلسل "بابا جه" بطولة أكرم حسني ونسرين أمين والطفلة لافينيا نادر ومحمد أوتاكا وسماء إبراهيم، بالإضافة إلى مشاركة عدد كبير من ضيوف الشرف أبرزهم: أحمد أمين وكريم فهمي، وسليمان عيد. من تأليف وائل حمدي ومحمد إسماعيل أمين، وإخراج خالد مرعي.

فكرة خارج الصندوق

المميز في مسلسل "بابا جه" هو فكرة العمل الرئيسية، التي تعتمد في ملخصها على دور الأب ورعايته في الأسرة، وما يترتب على تلك الرعاية في أسرته ومنزله. وفي إطار كوميدي نجد الأب "هشام" يتحول مع الوقت لـ"بابا بالإيجار"، في صدفة غريبة، تدفعنا لرحلة البحث عن دور الأبوة في الأسرة.


فتشهد الحلقة الأولى تكثيفا لفكرة الأب الذي لا يتحمل مسؤوليته حتى يصبح بلا قيمة في نظر ابنته كما تعتقد، لأنه توقف عن عمل مهامه الأبوية نتيجة ظروفه المادية، وهنا يلفت العمل الانتباه إلى أن رعاية الأب ليست مادية فقط، فحتى لو تأثر الأب ماديا وعانى من أزمات مالية، فلا بد أن يستكمل دوره كأب، لأن الأبوة ليست خزينة للمال!

ونرى مع تطور الحلقات كيف أن ابتعاد الآباء عن أبنائهم أو رعايتهم بشكل خاطئ، يدفع الأبناء ليكونوا أشخاصا غير أسوياء -رغما عنهم- فنرى الأب الذي يتعامل مع ابنته على أنه ATM متحركة، فيلبي كل طلباتها بشكل مبالغ فيه دون الاهتمام بمشاعرها واهتمامه بها وبشخصيتها، كذلك نرى البطل "هشام" الذي يرسخ في ابنته أن دور الأب يتوقف على العمل لأجل توفير المال فقط، ولا يتحمل أي مسؤولية أخرى تتعلق بالأبناء. ورأينا أيضا مشكلة "هشام" نفسه مع والده التي خلقت لديه عقدة نفسية رغم طرافة تصويرها وهي كرهه للكشري الذي يذكره بوالده، لكن تحمل في طياتها معاناة كبرى تحملها "هشام" في صغره من والده، وتلك المعاناة تتجلى بوضوح في مشهده الرائع مع الفنان أحمد أمين.


هناك فكرة أخرى يحتويها العمل، وهي تدليل الأم لابنها بشكل يفوق الحدود، ما يجعلها سببا رئيسيا في فساده دون أن تشعر، وهو الأمر الذي يظهر في علاقة محمد أوتاكا ووالدته في العمل سماء إبراهيم، التي جعلت من شخصية "ياسر" شخص فاشل لا يتحمل المسؤولية مطلقا لأن والدته تراه أجمل ابن في الدنيا ننتيجة حبها المبالغ فيه.

كوميديا.. أم دراما اجتماعية

لا أعلم إذا كان صناع العمل كانوا يروجون له في المقام الأول بأنه مسلسل كوميدي فقط، لأنه لو صُنع من أجل ذلك فقط فكان رهانهم موضع خسارة. لأن الكوميديا ليست العنصر الغالب على عناصر العمل -لكنها موجودة- رغم اختيار نجوم لديهم القدرة على تقديم الأعمال الكوميدية بجدارة. فالعمل يُصنف بأنه "لايت" أو دراما اجتماعية خفيفة تٌقدم في إطار كوميدي طريف للتخفيف من عبء الفكرة نفسها التي تتطلب مجهودا كبيرا حتى لا تخرج كما لو أنها حكم ومواعظ في قالب تلفزيوني.

العمل ناقش العديد من مشاكل الأبناء مع آبائهم، وكان "هشام" بطل العمل يستوعب مع كل مشكلة ما تحتاجه علاقته بابنته "جودي" ويحاول تحسينها. سنجد أكرم حسني في ذلك العمل يتفوق على نفسه، ويخرج قدراته التمثيلية الفائقة ليس فقط كممثل كوميدي، بل كفنان شامل يستطيع تقديم كافة الأدوار، وأتحمس بعد رؤيته في بعض المشاهد المؤثرة في تجسيده عمل فني آخر ليس كوميديا، لأنه يقدم دوره بجدارة.

المسلسل يُظهر كذلك قدرات كل الفريق، فنجد محمد أوتاكا مصدر كوميديا رئيسي في العمل، بجانب مشاهده مع والدته التي تجسدها الفنانة سماء إبراهيم. كما أن اختيار الطفلة لافينيا نادر كان اختيارا موفقا لقدرة الفتاة الصغيرة على التعبير عن مشاعرها وتمكنها من الدور بخفة وقبول، بالإضافة إلى دور الزوجة الذي قدمته نسرين أمين وكان اختيارا مميزا لطلتها الخفيفة على الشاشة.

مسلسل يناسب الجميع.. وخلطة تربوية مختلفة

"بابا جه" يناسب كل الفئات العمرية، فيقدم كوميديا اجتماعية بدون إسفاف، مع التركيز على الأفكار التربوية بدون إظهارها بشكل توجيهي مباشر، ستجد نفسك كمشاهد تستوعب ما يريدون قوله دون جعلك تشعر بأنك تتلقى نصائح إصلاحية.

سترى "هشام" الذي يتخاذل في منزله عن تربية ابنته، يتعلم معنى الأبوة بشكل ومفهوم مختلف عما اعتادته، ويربي أبناء غيريه بأفضل الطرق. وأفضل ما في العمل هو عدم خضوعه لكوميديا "اسكتشات الفيس بوك"، فالكوميديا نابعة من المواقف والأحداث التي تتسم بخفة الدم. فاختار كاتبي العمل التركيز على رسالتهما التربوية أكثر من الجانب الكوميدي نفسه.

هناك رسائل أخرى خفية في العمل، مثل تعلم تحمل المسؤولية كل في دوره، وعدم الاحتيال أو الكذب مهما حدث لأن الكذب سيؤدي في النهاية إلى خراب الأمر الذي كذبنا من أجله.

ملخص الحكاية

مع التقدم والتعليم الذي غير شكل العالم، فبدوره سيغير المعتقدات التي كانت سائدة عن التربية قديما، حاليا الأبناء يحتاجون لرعاية نفسية كبرى بقدر احتياجهم لرعاية مادية تدفع الآباء للانخراط في الحياة بحثا عنها ويتناسوا معها دورهم الرئيسي وهو التربية وتحمل المسؤولية.

شكل الأبوة تغير كثيرا عن السابق، ومع التغير السريع في العالم يضع الأب تحت ضغط أكبر من أجل كسب الرزق والقرب من أبنائه، فالجيل الحالي قدرته النفسية أضعف بكثير من الأجيال السابقة التي كانت تعتقد أن ما يفعله الآباء هو الأصح دوما، لكن حاليا الطفل ينشأ وهو يسأل ويفكر ويشعر بكل تفاصيل بسيطة يراها، ما يجعله عُرضة بشكل أكبر للمشكلات النفسية التي قد تظل مرافقة إياه العمر بأكمله.

ومن أشكال تغير الأبوة كذلك هو عمل الآباء في وظائف كانت توصم بأنها للنساء فقط، فتحول "هشام" لأب بالإيجار ليس عيبا في حد ذاته، لأنه في النهاية يرعى أطفالا ويكتسب رزقه بالحلال، لكن ما عاب الأمر هو الكذب والعار الذي كان يشعر به نتيجة لتحمله دورا يشبه دور الأمهات، لكن الظروف المادية الناتجة عن تغير ظروف العالم ومنها انتشار فيروس كورونا الذي أشار إليه العمل، دفعت الأب للموافقة على العمل من أجل توفير مصدر رزق لأسرته. 

نرشح لك: الندم والتسامح والتقبل.. الفضائل الضائعة في "صلة رحم"