عمرو منير دهب يكتب: نجوم الكوميديا المصرية من علي الكسّار إلى محمد هنيدي

لماذا انتهيتُ بمحمد هنيدى؟ الجواب في بساطة أنني كنت أنوي كتابة هذا المقال قبل أكثر من عقدين من الزمان حين آل عرش الكوميديا المصرية إلى الجيل الذي انطلق ببركات هنيدي الضاحكة مع تباشير "إسماعيلية رايح جاي" ثم بتأكيد دامغ من "صعيدي في الجامعة الأمريكية". وإذا كان قد جاء بعد جيل هنيدي ممثلو كوميديا آخرون شكّلوا جيلاً واحد على الأقل، فإن أولئك الممثلين – على أصالة وعمق مواهب الكثير منهم – لم يفلحوا بعد في ارتقاء عرش نجومية الكوميديا المصرية، ولا نقول انتزاع ذلك العرش من جيل هنيدي بالضرورة، ولكن على الأقل اقتسامه بما يجعلهم يسيطرون على نصيب عظيم من إيرادات قاعات المسارح "التجارية" وصالات السينما المصرية والعربية، وذلك هو المقياس الأبرز في التتويج على عرش الكوميديا المصرية والعربية، بل على الأرجح على عرش الفنون السينمائية والمسرحية بصفة عامة مصرياً وعربياً؛ وهو مقياس يكاد يكون حاسماً لا سيما في نصف القرن الأخير من عمر فنون التمثيل المصرية والعربية.

ولكن ألم يكن الأولى أصلاً أن أبدأ هذا المقال بالسؤال: لماذا ابتدأتُ بعلي الكسار؟ الإجابة – على كل حال – شخصية/انطباعية أكثر مّما هي موضوعية، فقد كان جدّي رحمه الله – كعادة أجدادنا وسائر الجدود في كل زمان ومكان – يسخر ويتأفف فيما لا يخلو من الودّ من استغراقنا في الضحك لمشاهد كوميدية لنجوم جيل السبعينيات والثمانينيات من أمثال سعيد صالح وسمير غانم ويونس شلبي ووحيد سيف وعادل إمام ومحمد صبحي ومحمد نجم ونجاح الموجي وجورج سيدهم، بل ربما حتى لبعض الأجيال التي سبقتهم كفؤاد المهندس وعبد المنعم إبراهيم وأمين الهنيدي وعبد المنعم مدبولي وربما إسماعيل ياسين كذلك؛ وترتيب أسماء هؤلاء النجوم المضحكين كما سردناها عشوائي كما هو واضح. كان جدّي أحياناً يضحك ضحكة إعجاب عابر لأحد المواقف مما كان يشاركنا مشاهدته للحظات، ثم يقوم من مجلسه وهو يردّد: "كل هذا لا قيمة له، لقد فاتكم زمن الضحك الأصيل، فاتكم أن تستمتعوا بفن علي الكسّار الذي لا يُجارى".

ولمّا كان ممّا يشبه المستحيل أن نحصل حينها على أي تسجيل لعلي الكسار، فقد بقيت شخصياً في انتظار أمل بعيد المنال لرؤية ولو مشهد واحد من أعمال الرجل ليتسنّى لي الوقوف على براعة "الكوميديان المعجزة" الذي أفلح في إقناع جدّي بفنه كما لم يستطع أن يفعل أيٌّ من عمالقة الضحك الذين توالوا بعده.

كانت المفاجأة من عيار ثقيل عندما أتيح لي لاحقاً أن أشاهد علي الكسّار، فقد بدا لي باعثاً على الملل بطريقة لم أستطع معها – حتى فيما بيني وبين نفسي - أن أجد أي منفذ لمجاملة جدّي في رأيه أو مشاعره التي ظلّ متمسّكاً بها بما لا يحتمل النقاش.

لا ريب أن موقفي تجاه الكسّار حينها قد انطوى بدوره على قدر من التجاوز غير الموضوعي في الأحكام، فقد كنت أقيّم الرجل بمقاييس أجيال لاحقة لها ذوقها المختلف في ظل معطياتها الخاصة. ولكن من جهة أخرى، تسنّى لي أن أطّلع بصورة موازية تقريباً – وإن تكن أكثر حضوراً وتنوّعاً – على نجيب الريحاني مُجايل علي الكسّار ومنافسه اللدود، فكان الفارق في تقديري عظيماً. والريحاني – تحديداً - لا يحرج الكسّار فحسب وإنما كثيرين ممن أتوا بعده كذلك، فقد كان أداؤه عميقاً وآسراً ببساطته، وهو ما لم يَخفَ لا على النقّاد ولا على الجماهير بصفة عامة، ما أفضى إلى أن تكون نتيجة امتحان البقاء عبر الأجيال لصالحه بوضوح.

إسماعيل ياسين من جيل تالٍ للكسّار والريحاني، وهو صاحب حضور لا يمكن إنكاره وحظ من إيرادات شبابيك تذاكر الأعمال الكوميدية في السينما يشهد بأنه أفلح في النفاذ إلى قلوب الجماهير باكتساح لأمد غير قصير. لكن إسماعيل ياسين أقلّ عمقاً بوضوح من نجيب الريحاني، أو – للدقة – أكثر انفعالاً، بما يجعل حتى علي الكسّار يتفوّق عليه من حيث بساطة الأداء والابتعاد عن المزايدة في الحركة والتعبير الجسدي، وإن كان ياسين أكثر قدرة على الحضور المتميّز في وجدان الجماهير بصرف النظر عن التقييم الفني البحت لأدائه الذي يبدو في كثير من الأحيان كما لو كان يدغدغ مشاعر مشاهديه من مداخل تنشد طفولتهم الكوميدية الخالصة.

إذا كان من الممكن الإشارة إلى فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي بوصفهما أبرز من اعتلى عرش الكوميديا المصرية بعد إسماعيل ياسين، فإن الحضور الطاغي والأداء البسيط والعميق قد تجلّيا في الاثنين معاً، مع رجحان كفة بساطة الأداء لصالح مدبولي وطغيان الحضور الفني لصالح فؤاد المهندس، في حين يبقى عمق الأداء قسمة عادلة بين الاثنين على الأرجح.

شمل الجيل التالي لمدبولي والمهندس أسماء عديدة لامعة اختلفت اختلافاً عريضاً في طبيعة الموهبة وفي الحظ من النجومية، وبقي عادل إمام بوصفه الأكثر حظاً من بين الجميع ليس فقط في اعتلائه عرش الكوميديا المصرية وإنما في انفراده بعرشَي السينما والمسرح المصريين لأكثر من ثلاثة عقود، وهو انفراد لم يكن مستحقاً فقط بتأثير موهبة لا يمكن إنكارها وإنما كذلك بسبب مهارة التعامل مع شروط البقاء الفني وإدارة مقتضياتها على نحو لم يحدث من قبل في تاريخ السينما والمسرح المصريين مع أيٍّ من النجوم. ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن عادل إمام كان الأعمق موهبة بالضرورة، فكما أشرنا تباينت طبيعة مواهب هذا الجيل تبايناً عريضاً، فمحمد صبحي صاحبُ أداء مسرحي رفيع من الوجهتين الفنية الصرفة والجماهيرية العريضة، لكن تلك الرفعة في الأداء لم ترافق صبحي إلى السينما؛ وكذلك سمير غانم صاحب موهبة كوميدية طاغية بعنف على خشبة المسرح في حين يكاد أداؤه يبلغ مستوى كومبارس حائر أمام عدسات التصوير السينمائي لولا حضوره الفني الأخاذ بصفة عامة.

امتدت سطوة جيل عادل إمام طويلاً بما حجب الفرص أمام الأجيال التالية إلى أن أصبح لا مناص من أن ينفجر التغيير مع جيل محمد هنيدي الذي لمع نجمه شخصياً بوصفه بديل عادل إمام على عرش الكوميديا المصرية لعقود طويلة لاحقة؛ ولكن لبعضٍ من حظ هنيدي العاثر، وفي المقابل لحسن حظ مجايليه والأجيال اللاحقة، بدا أن فكرة سيطرة نجم واحد على العرش الضاحك لعقود طويلة لم تعد مستساغة، فكان أن ظلّ هنيدي حاضراً ولكن متقاسماً النجومية مع آخرين من طراز أحمد حلمي ومحمد سعد وأحمد مكي وأشرف عبد الباقي وهاني رمزي على سبيل المثال، بل بلغت سعة العرش الضاحك على خشبة المسرح وشاشات السينما أن يتّسع جيل هنيدي لآخرين أكبر سنّاً بقليل كطلعت زكريا.

لا يزال هنيدي ورفاقه متواجدين جنباً إلى جنب من تلاهم من أصحاب المواهب الأصيلة والمؤثّرة التي لا تزال بدورها تبحث عن الفرص ليس إلى بطولة عمل مسرحي أو سينمائي فحسب وإنما تحديداً عن عمل خارق يؤسس لنجومية من طراز يؤهل صاحبها للجلوس على عرش المضحكين المصريين، إن لم يكن منفرداً فعلى الأقل إلى جوار بعض من زملائه المحظوظين.

هذا، وبرغم اجتياز غير قليل من نجوم الكوميديا المصرية امتحانَ الزمان فيما يتعلّق ببقاء أثرهم الضاحك على مرّ الأجيال، بحسب ما ألمحنا إليه سريعاً في هذا المقام، فالثابت أن ما يضحك الناس مسألة نسبية إلى حد بعيد، ليس اختلافاً من جيل إلى جيل فحسب بل من ممثل إلى آخر من نفس الجيل، بحيث يبدو الاثنان كندّين متقاربين في الحظوة الجماهيرية ثم يفترقان حضوراً وشهرة بمرور الزمان بتأثير عوامل متعددة شديدة التعقيد لا يمكن إجمالها في قاعدة واحدة أو حتى مجموعة بعينها من القوانين، بقدر ما تمكن قراءتها في ضوء ما حدث بالفعل، وبما لا يضمن حدوثه مجدداً على نفس الشاكلة بحال من الأحوال.

نرشح لك: 

عمرو منير دهب يكتب: عادل إمام كوميديان عمل كلّ حاجة

عمرو منير دهب يكتب: محمد منير.. تحدي الخصوصية النوبية