عمرو منير دهب يكتب: محمد منير.. تحدي الخصوصية النوبية

كانت بواكيرَ الثمانينيات عندما بدأ صوته يعبر الحدود المصرية لافتاً الانتباه وشرعت نجوميتُه في اختراق الآفاق العربية وهي تنحت ملامحها بخصوصية بدا واضحاً منذ ذلك الحين أنها لا تتقيّد بتراث محلّي بعينه مهما يكن غنيّاً وشديد التميّز، وإن تكن تستمدّ كثيراً من ألقها الفريد عبر لمحات ونفحات ذلك التراث.

كان جليّاً حينها أن التميّز من أبرز دوافع ومظاهر النجم الصاعد؛ التميّز بما يفيد الاختلاف والانفراد تحديداً وليس مجرّد التفوّق على الآخرين في إحصائيات الظهور الفني والإعلامي والأرقام القياسية لتوزيع تسجيلات الأغاني والحفلات بحسب طبيعة ومقتضيات ذلك الزمان؛ وكان أبرز ما ميّز نزعة النجم المتألق حديثاً نحو التميّز أنها تجلّت أصيلة ولم تَبدُ مجرد نزوة عابرة بدافع استراق الأضواء تعجّلاً للنجاح.

هكذا أخذ نجم محمد منير في الصعود بخفقات واثقة لم تضطرب على الرغم من تقلّب الأجواء في سماوات الغناء والفن مصرياً وعربياً، بالإضافة إلى حدّة الكثير من تلك التقلّبات في إطار ما شاع وصفه بـ "غير الصحّي" من الظواهر الفنية "السطحية" قياساً إلى تاريخ مديد من الطرب "الأصيل" المنضبط (بحسب التقييم الذاتي لكل جيل في الغالب). ولكن غير قليل من تقلّبات الأجواء الفنية كان على كل حال مما يصحّ وصفه بالطبيعي في إطار المنافسة الفنية والإعلامية شديدة الحدة في كل زمان بصرف النظر عن دواعي النوستالجيا التي تدمغ أحكامَ كل جيل فينحاز إلى فنون زمانه على حساب ما يأتي بعدها فيعلوها بما يثيره من الضجيج على الأقلّ إذا كان من الصعب الحكم على القيمة الفنية المطلقة للإبداع عبر الأجيال.

تضاعف التحدّي أمام منير، أو لعلّ الأدق أنه هو مَن ضاعفه على نفسه وقد أصرّ على مناوشة الصورة التقليدية للنجم في زمانه لا تلك التي رسمتها الأجيال السابقة فحسب. وبالمخالفة المناوِشة إمّا أن يخسر المبدع خسارة جسيمة وإمّا أن ينجح نجاحاً لافتاً، وقد كان الاحتمال الثاني هو قدَر محمد منير الذي وجد ضالته المنشودة فيما يتعلّق ببضاعته الفنية وطريقة عرضها عبر التميّز الفريد شكلاً ومضموناً.

أدرك منير أن رهانه الفني لا يجب أن يكون تحدّياً صوتياً خاضعاً للمعايير الفنية الصرفة في تقييم الأداء رجوعاً إلى قدرات الحبال الصوتية مجرّدة، فسيسبقه كثيرون على هذا الصعيد لا محالة؛ وجدير بالانتباه أن تحدّي النجومية في سماوات الغناء والطرب ليس من الحكمة أن يُخاض بوصفه تحدّياً صوتياً محضاً حتى بالنسبة إلى أصحاب الحناجر الذهبية الخالصة. بذلك في الاعتبار، واصل النجم الصاعد التحليق بجناحَي طلاوة الصوت وبداعة انتقاء الأعمال - كلماتٍ وألحاناً وطرائقَ أداء - فتَواصَلَ بذلك النجاحُ في الارتقاء، ومن قبلُ النجاح في الصمود أمام موجات الرافضين للجديد وأمام سائر العقاب التي لا تخلو منها بحال طُرُق الطامحين إلى تسنّم أيِّ من الذرى في أيٍّ من المجالات.

استفاد منير من التراث النوبي وأفاده من حيث التغلغل في الثقافة المصرية العامة بعيداً عن "الاسكتشات" الغنائية المستوحاة من تراث سيد درويش العميق فنّياً والمفتقد ذاتَ العمق بالنظر إلى دلالاته التهكّمية المباشرة والتي لا تُقصد منها الإساءة عل كل حال قدرَ ما هي عفوية "النكتة" المصرية اللاذعة التي لا يكاد يقف في طريقها شيء عندما تستبدّ بها نشوة الطرب.

تجربته السينمائية بدورها مميزة؛ وبرغم نجاح تجارب غيره من مطربي جيله، فقد كان منير مقنعاً في أدائه قياساً – على سبيل المثال - إلى صنوه عمرو دياب الذي ظلّ حريصاً على أن يبدو على الشاشة الكبيرة كـ "موديل" وفتى بهيّ الطلّة صاحب صوت جميل أكثر من كونه ممثلاً يتقمّص الأدوار بحسب ما تقتضيه الشخصيات المجسَّدة من تعابير الوجه وحركات الجسد وسكنات الروح.

يتضمّن سجلّ محمد منير السينمائي أكثر من عشرة أفلام، إضافة إلى بضعة أعمال مسرحية وتلفزيونية؛ ولعل أشهر أدواره السينمائية ما جسّده من إخراج يوسف شاهين، وإن تكن ذروة تألّقه في الأداء على الشاشة الكبيرة تجلّت لديّ في أدائه بالغ التلقائية مع خيري بشارة في "يوم مر يوم حلو" أمام فاتن حمامة.

ثمة أصوات نوبية عديدة صدحت في أعقاب نجاح محمد منير، بعضها كان عميقاً لا يعدم خصوصيته الفريدة بدوره، لكن معظم تلك الأصوات لم يفلح في الاستمرار في اقتحام الوجدان المصري بذات العمق، سواء استناداً إلى خلفية التراث النوبي تحديداً أو رجوعاً إلى القيمة الفنية المجردة.

الأبرز في تجربة محمد منير أنه أفلح في اجتياز أحد أصعب امتحانات المبدعين إنْ لم يكن أصعبها على الإطلاق: استمرار الإبداع والتأثير، وتحديداً الاستمرار برسوخ لقرابة نصف القرن من عمر زمان الطرب المصري والعربي الحديث؛ وقد جمع منير في استمرار إبداعه وتأثيره بين التميّز الواضح في الأداء الفني بصفة عامة وبين فطنة وحنكة التعامل مع الخصوصية النوبية بما خرج بها من كونها قيداً محتملاً على الإبداع والانتشار إلى حيث غدت مدعاة لتأثير وانتشار فريدين على المستويين المصري والعربي وفي بعض أنحاء أخرى من العالم مترامي الثقافات.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: يحيى حقي لم يأخذ حقه