محمد صلاح البدري يكتب: عن الطب.. والأدب!!

لم املك رداً من قبل لكل من يسألني هذا السؤال المكرر.. أعرف أنكم تظنون أنني أعرف أكثر مما أبدو عليه.. لا أريد أن أخذلكم .. ولكن صدقوني هذه المرة.. فلا أعرف إجابة شافية.

السؤال دوما هو لماذا يعشق الأطباء الأدب.. و لماذا يتفوقون فيه تحديداً.. أعرف أنكم على صواب إلي درجة كبيرة.. بل وأملك العديد من النماذج التي تؤكد صحة ظنكم!!.. و لكن لماذا تظنون أنني أملك الإجابة؟

أعرف صديقاً استنكر بشدة أنني لا أعرف الأسباب الحقيقية للثورة في بوليفيا!، ولماذا أعرف؟.. بل ولماذا أعرف أين تقع بوليفيا من الأساس التي لن أزورها بكل تأكيد طوال حياتي؟!

فقط أعرف تلك القصة المكررة.. إنه ذلك الطبيب الذي التحق بكلية الطب فقط ليلبي رغبة والديه أن يصبح ابنهما طبيبا.. لقد كان يراقب والده وهو يبحث عن مكان يصلح عيادة له وهو بعد في المرحلة الثانوية.. لم يكن يحب دراسة الأحياء أصلا.. ولكنه من ذلك النوع الذي اعتاد أن يستذكر أي نوع من العلوم أمامه.. يجتاز الثانوية العامة بمجموع يؤهله لكلية القمة التي يرغبها أهله.. ويلتحق بالكلية في استسلام تام!..

ثم يستقبل الحياة الجامعية بكل ما فيها.. إنها تبهره بشدة.. هو الذي لم يعرف سوي استذكار دروسه طيلة أعوام حياته الماضية.. سيدرك أن هناك بشراً يفعلون أشياء أخري بخلاف الاستذكار.. سيجد من يمتلكون مواهب جيدة بالفعل.. سوف يغار منهم، ويبدأ في البحث عن موهبة بداخله.. في البداية سيحاول أن يقرض الشعر.. إنه ركيك مفكك.. ولكنه سيجد من تقول له إنه شعر رائع.. في الأغلب هي زميلته التي تراه مشروعاً لطبيب سيجيد جمع المال فيما بعد.. ولكنه سيقع في حب أخري التي لن تلتفت لشعره من الأساس.. إنها حسناء بالفعل!!

سيتوقف عن قرض الشعر بعد سنوات الدراسة الأولي.. سيدرك أنه ليس موهوباً من الأساس.. أو سيعجز عن العثور علي وقت بين أطنان الكتب التي ينبغي عليه أن يحفظها عن ظهر قلب!

يقترب من الحياة العملية رويداً رويداً.. إنه علي وشك التخرج.. لا يقرأ سوي كتب الباطنة والجراحة تقريباً..!، يقول برناردشو في مذكراته أنه في السادسة من عمره قد اضطر للتوقف عن التعلم لأنه قد التحق بالمدرسة!!، إنه يدرك الآن صدق هذه المقولة جيداً.. سيبدأ في نسيان كل ما يتعلق بالأدب.. اللهم إلا كتاباً يخفيه لأحمد خالد توفيق وآخر لأحمد مراد.. لا يحب أسلوب هذا الأخير ولكنه يساير الموضة فقط!

يصل إلي عام الامتياز.. سيعلم أخيراً أنه واحداً من هؤلاء الذين سيحملون لقب الطبيب ولا يفقهون شيئا!، لم يتمكن من الالتحاق بسلك التعيين الجامعي.. لذا فمصيره قد بات محتوما في وحدة ريفية.

سيبدأ في كتابة خواطره المليئة بالشجن.. عن حبيبته التي كتب الشعر من أجلها.. والتي ضاعت منه لتتزوج أول من طرق بابها ويملك مورداً ثابتاً للرزق وسكناً مناسباً.. لا يكبره سناً بأعوام كثيرة.. ولكنه تخرج قبله بالطبع.. لذا فهو مناسب لها أكثر منه بكل تأكيد.. سيكتب عن أحلامه وذكرياته.. وربما سيكتب رأيه في سياسات الدولة التي يظن أنه قد أصبح – بصفته طبيباً- يفقه فيها جيداً، سيكتب ويكتب.. حتي يصير بعض ما يكتبه يصلح للقراءة!!

الأمر لا يخلو من حِس أدبي مكتسب لديه.. فالأطباء هم الفئة الأكثر حظاً في رؤية عظمة الخالق في خلقه.. والواقع أن الطب نفسه هو أسمي أنواع الأدب من وجهة نظري.. إنه التجسيد الحي والمادي لمعني الروح.. ولهذا فالطبيب ظمآن دوما للمعرفة.. باحث عن اليقين الذي يكتشف يوماً بعد الأخر إنه لا وجود له إلا بين يدي الخالق!

سوف يدرك أن كثيراً من الأطباء قد سبقوه.. و صاروا أدباء مشهورين.. سيبدأ في البحث عن نفسه وتحقيق ذاته في إحدي الطرق.. قد ينجح في مهمة جمع المال عن طريق الطب.. و لكنه قد يفشل في أحيان كثيرة.. فيظل يقص لأقرانه أنه قد يصبح يوسف إدريس أو مصطفي محمود يوما ما.. ربما أيضا أحمد خالد توفيق.. والأخير تحديداً هو الحلم الذي يراوده في كل ليالي الوحدة الريفية الهادئة.. فقد تمكن من جمع الاحتراف بين المهنتين.. أنه أديب يشار إليه بالبنان وأستاذ بكلية الطب في نفس الوقت.. وسيهمل عقله أضعاف هذا العدد الذين لم يوفقوا.. مع أنهم يمتلكون ما يقدمونه للناس.. ربما أكثر منه بكثير!
إنه السيناريو الأقرب للواقع في كل الأحيان.. البعض يستمر وينجح ليصير أديبا.. والاكثر يكتفي بمتابعة الآخرين في صمت.. وهو يباشر عمله في مستوصف صغير بإحدى دول الخليج!

صدقوني لا أعرف إجابة شافية.. فقط أعرف هذه القصة.. وأعرف أيضا.. أنني مثلهم.. كنت ومازلت.. طبيب يعشق الادب!!

اقـرأ أيـضـًا:

محمد صلاح البدري يكتب: سبوبة البالطو الأبيض!!

محمد صلاح البدري يكتب : “الترافيك” في غرفة العمليات

.

تابعونا علي تويتر من هنا

تابعونا علي الفيس بوك من هنا