خاص

“الفانوس الصاج لن ينقرض”.. كواليس صناعة الفوانيس في مصر

أسماء شكري
صناعة الفوانيس في مصر
أصبحت الفوانيس التي حملها المصريون للاحتفال بقدوم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر في رمضان عام 358 هـ، تقليدا رمضانيا محببا إلى الناس كبارا وصغارا، فما أن يهل الشهر الكريم حتى تزدان الشوارع المصرية بالفوانيس مختلفة الأشكال والألوان والأحجام.

اشتهرت مصر بورش تصنيع فوانيس رمضان في عدة مناطق، أبرزها بركة الفيل بالسيدة زينب والمغربلين والحسين والأزهر والغورية، وأيضا في بعض المحافظات من بينها الإسكندرية وطنطا والدقهلية وبنها والجيزة، ولكن عدد الورش حاليا أصبح قليلا بالمقارنة بالماضي.

ومن داخل ورشة لتصنيع الفوانيس بـ درب الأنسية في حي المغربلين، التقى إعلام دوت كوم واحدا من أقدم صناع الفوانيس في مصر الآن وهو أحمد عبده أحمد 52 عاما وشهرته “أحمد جيتا”، والذي يؤكد أنه ورث المهنة أبا عن جد، كما أنه يحبها وليس الأمر مجرد وراثة.

مراحل تصنيع الفانوس


يقول “جيتا” إن مراحل تصنيع الفانوس تبدأ بقص الصفيح إلى أجزاء مكونة للفانوس حسب الحجم والشكل وكل جزء يسمى “مشتورة”، ثم مرحلة الكبس التي تتضمن نقش الرسومات وتفريغ الصاج، تليها مرحلة اللحام، ثم “السندقة” وهي تركيب الزجاج، انتهاء بمرحلة التجميع النهائية التي تعطينا شكل الفانوس الأخير.

وبالنسبة للخامات المستخدمة في صناعة الفوانيس، يوضح أنها عبارة عن الصفيح والزجاج و “الأزير” وهي المادة التي تستخدم في لحام الصفيح، مضيفا أنهم يحرصون على تطوير شكل الفانوس: “أيام أبويا وجدي كل شغلهم كان بالإيد ومكنش فيه أيامهم مكبس”، مشيرا إلى أنهم يستوردون الصفيح ولا يتم توفيره محليا، أما الزجاج فمن مصر.

نرشح لك: قنوات عرض مسلسلات رمضان 2022

 

أجيال شابة تصنّع الفوانيس

وحول الاعتقاد السائد باقتصار المهنة على الأعمار الكبيرة، ينفي أحمد جيتا ذلك مؤكدا أن صناعة الفوانيس يعمل بها شباب وأطفال أيضا: “ابني عبده وولادي كلهم في الصنعة.. شغلانتنا توريث.. كله قرايب في بعضه”.

أضاف أنه حرص على تعليم ابنه تعليما عاليا ومع ذلك يعمل معه في المهنة ويحبها ولديه ورشة خاصة به، كما أن ابنه عمره 8 سنوات ويحرص أيضا على تعليمه المهنة: “بيخرج من المدرسة معايا بيتعلم.. بنورث عيالنا الصنعة”.

500 شكل للفانوس

يقول “جيتا” إن أشكال الفوانيس متعددة ومتنوعة وتزيد عن 500 شكل، موضحا أنه كانت هناك أسماء شهيرة لفوانيس زمان أبرزها الملك فاروق والأميرة فريال والدلاية وتاج الملك، وحاليا أشهرهم فانوس الأبراج وأبو ولاد أو أبو العيال وشقة البطيخ وشويبس، والزبون يطلب بعضها بالاسم، ولكن ليس هناك نوع معين يكثر عليه الطلب؛ فالإقبال على كل الأشكال.

وعن خامات تصنيع الفوانيس، يشير إلى أن أسعارها الآن زادت “الطاق طاقين” خاصة الصفيح، كونهم يستوردونه من الخارج فتأثر سعره بارتفاع الدولار أمام الجنيه، وعن أكبر فانوس قال إنه قد يصل طوله إلى 5 أمتار بوزن 80 كيلوا جراما، وهناك فانوس يقترب سعره من 10 آلاف جنيه بسبب حجمه وغلو الخامات المستخدمة فيه، وفانوس آخر سعره 5 آلاف جنيه.

فانوس زمان لن ينقرض

وحول القول بأن الفانوس الصاج القديم سيأتي عليه وقت وينقرض؛ أكد أحمد جيتا أن هذا الكلام غير صحيح: “أنا بقالي 50 سنة بسمع إن الصنعة دي هتنقرض.. بالعكس كل ما يقولوا هتنقرض بتزيد.. الكل بيحب الفانوس القديم واحنا بنطور فيه”.

وبالنسبة للإقبال على شراء الفانوس الصاج، يؤكد أحمد جيتا أن الزبون ما زال يفضل فانوس زمان: “دخل علينا الفانوس الصيني خد مدته وانتهى وزيه الخشب.. لكن الفانوس الصاج هو الأساس”، مشيرا إلى أن مصر مشهورة وسط الدول العربية بتصنيع الفوانيس؛ خاصة دول الخليج التي يحرص سكانها على شراء فانوس رمضان من مصر.

من جهة أخرى، لفت “جيتا” إلى أنهم يعانون من ارتفاع أسعار خامات التصنيع مؤخرا: “متر الإزاز دلوقتي بقا بـ70 جنيه.. عشان أجيب إزاز لفانوس بـ70 جنيه هبيعه بكام؟” موضحا أن هذا أدى لانخفاض نسبي في الإقبال على شراء الفوانيس هذا الموسم.

استطرد أن هذه الحرفة هي مصدر دخله وعائلته ويعملون فيها من بعد عيد الفطر حتى رمضان التالي: “احنا شغالين طول السنة”، قائلا إنهم بعد مولد النبي يبدأون تصدير الفوانيس لدول الخليج حتى آخر شهر رجب، وبدءا من شهر شعبان وقدوم رمضان يبدأون في بيع الفوانيس داخل مصر، مضيفا أن عدد ورش تصنيع الفوانيس في مصر لا يزيد عن 24 ورشة لأنها مهنة تتوارثها الأجيال ومقتصرة على أصحابها.

صناعة الفانوس قديما وحديثا

أسامة أبو العدب صاحب ورشتين لتصنيع الفوانيس واحدة في الوراق والأخرى قرب حلوان، ويبيع الفوانيس في منطقة تحت الربع، يقول إنه ورث المهنة عن والده وجده، مضيفا أن طريقة تصنيع فانوس رمضان وخاماته وأدوات الصناعة كما هي منذ عهد والده وجدّه والاختلاف حاليا في الألوان فقط، مشيرا إلى أنهم يعانون الآن من نقص الخامات بسبب ارتفاع سعر الدولار: “الخامات كلها شاحّة”.

أردف “أبو العدب” أن المهنة تعمل بها كل الأعمار من كبار السن إلى الشباب والمراهقين، ولكنهم ليسوا بنفس مهارة الحرفي كبير السن؛ بسبب أنهم يعملون في موسم رمضان فقط؛ ويضطرون خارجه إلى العمل في حرفة أخرى لكسب رزقهم.

تابع أن أشكال الفوانيس تزيد عن 200 شكل، وهي إبداع مصري خالص يتم تقليده من بعض الدول، لافتا إلى أن الفوانيس الشهيرة في الماضي كانت المربع والمخمس والمسدس وأبو عرق وأبو لوز والدلاية وصبي العالمة والتروماي والقطر والطيارة، مشيرا إلى أن تلك الأنواع لم تعد موجودة: “الناس اللي كانت بتشتغل كل ده خلاص ماتت.. اللي طالع جديد بيشتغل بأدوات أحدث زي المكبس”.

أسعار الفوانيس

يذكر أسامة أبو العدب أن أسعار الفوانيس لديه تبدأ من 35 جنيها للفانوس الصغير وطوله 25 سم، وهناك فانوس ارتفاعه مترين وثمنه ألف جنيه، وآخر طوله 5 أمتار بقيمة 7 آلاف جنيه ونصف، لافتا إلى أن أسعار الفوانيس هذا العام زادت بنسبة غير مسبوقة، فالفانوس الذي سعره الآن 35 جنيها كان يبيعه العام الماضي بـ 15 جنيها، وأرجع هذا لزيادة أسعار الخامات: “كيلو الأزير كان بـ600 جنيه بقا بـ 1600 جنيه، وكيلو الإزاز كان بـ40 جنيه بقا بـ100 جنيه”. صناعة الفوانيس في مصر

لفت “أبو العدب” إلى أن وزن أكبر فانوس بسعر 7 آلاف جنيه قد يصل إلى 100 كيلو، ويصنّعه 3 عمال وليس عامل واحد، وذلك في 4 أيام تقريبا، لافتا إلى أن هناك بعض الزبائن الذين يطلبون فوانيس بالاسم أبرزها أبو العيال والنجمة وشقة البطيخ.

أوضح أن الإقبال على شراء فانوس رمضان كان العام الماضي 100% أما هذا العام انخفض لـ 30% بسبب ارتفاع الأسعار، ونتيجة لهذا الركود في السوق فأغلب التجار ستتبقى لديهم بضاعة للعام المقبل.صناعة الفوانيس في مصر

هل طغى الفانوس الصيني على فانوس زمان؟

ذكر أن الفانوس الصيني أو الخشب لم يطغَ على الفانوس الصاج الشهير كما يظن البعض، فما زال المصريون والعرب يقبلون على شرائه، معبرا عن معاناته من القدرة على تصدير فوانيس رمضان بنفس المعدل السابق؛ بسبب بعض الشروط الجديدة للتصدير التي لا يقدرون على الالتزام بها، مطالبا بتسهيل الحكومة لتلك الشروط حتى لا تنقرض هذه الصناعة المصرية الأصيلة.

قال أسامة أبو العدب إن مهنة تصنيع الفوانيس كانت مربحة وتدر عليهم دخلا مجزيا حتى العام الماضي، أما هذا العام فالوضع صعب: “السنة دي صنايعية كتير راكبة تكاتك وسابت الكار، عايزة تأكل عيالها.. لما ييجي صنايعي وأديله 200 جنيه.. بيطلع على التوك توك بياخد 300 جنيه”.
ونفى ما يردده البعض من أن الفانوس الصاج التقليدي سينقرض، قائلا: “طالما رمضان مش هيتلغي يبقى الفانوس مش هيختفي.. رمضان هو الفانوس”.صناعة الفوانيس في مصر

جيل جديد من صناع الفوانيس

بلال الشربيني 17 عاما ابن شقيقة الحاج أحمد جيتا ويعمل معه في ورشة لتصنيع الفوانيس، يؤكد أنه نشأ وتربى في “الشغلانة”: “كنت بروح مع أبويا وأخويا الورشة من صغري وكمان خيلاني”، موضحا أنه كان يخرج من المدرسة إلى الورشة للعمل، مشيرا إلى أن هذه الحرفة لن تختفي لأنه يعمل بها من هم في مثل سنه وأصغر أيضا.صناعة الفوانيس في مصر

أكد “الشربيني” أنه ينوي في المستقبل أن يعلم أولاده نفس الحرفة، موضحا أنه يحبها وليس الأمر مجرد حرفة متوارثة، مضيفا أنه يطمح أن يفتتح ورشة خاصة به، مشيرا إلى أن الصعوبة تكون في بداية تصميم الفانوس فقط وبعد ذلك يصبح الباقي سهلا، مستطردا أن هناك بعض أنواع الفوانيس التي تستغرق وقتا أطول في صنعها مثل النجمة وشق البطيخ وأبو ولاد.صناعة الفوانيس في مصر

صناعة الفوانيس في مصر

فانوس واحد بدل اثنين

أم عبد الله هي سيدة التقينا بها أثناء شرائها فانوس رمضان من تحت الربع، قالت إنها تحرص على شراء فانوس كبير الحجم كل عام كونه يشعرها بأجواء رمضان وذكرياته.

أضافت أنها حضرت لشراء فانوس لها وآخر لحماتها، ولكنها فوجئت بارتفاع الأسعار مما قد يضطرها للاكتفاء بشراء فانوس واحد، مؤكدة أنها تحب شراء الفانوس الصاج ولا تقبل على اقتناء الفوانيس الصيني أو الخشب.صناعة الفوانيس في مصر

صناعة الفوانيس في مصر
صناعة الفوانيس في مصر
صناعة الفوانيس في مصر
صناعة الفوانيس في مصر

نرشح لك: معلومات عن مسلسلات رمضان 2022

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock