هند كرم تكتب: ماذا لو لم يُجاهر بالتجديف؟

جاهر بتكفيره للمسيحيين متعمداً مرتين :

الأولى عندما أعلنها صراحة عبر برنامجه الديني “المسلمون يتساءلون” على فضائية المحور “الغير مشفرة” في معرض تفسيره لآيات في القرآن الكريم، والثانية عندما أعلنها بقناعة أكبر واستهجان لمطالباته بالاعتذار عما بدر منه عقب تأزم الموقف ومنع وزير الاوقاف له من الخطابة واعتلاء المنبر حتى يعتذر، وإنهاء قناة المحور تعاقدها معه منعا للإحراج.

جاهر بتكفيره وتجديفه للمسيحيين ورفض الاعتذار عما جاء  قال إنه جاء في كتاب الله في القرآن، وبرر بأنه ماهو إلا ناقل لهذا القول القرآني الكريم فعلام يعتذر؟!

عن الشيخ الدكتور سالم عبد الجليل أتحدث، عن وكيل وزارة الاوقاف الأسبق والشيخ الأزهري ومقدم البرامج الدينية  والذي يصف ويعرف نفسه بالاعتدال والوسطية التي استمدها من روح وقيم ونهج المؤسسة الدينية العريقة رمز الوسطية في الإسلام وهي الأزهر الشريف.

 

الشيخ الجليل أثار بتصريحاته والتي  قد يدمغها الكثيرون من جمهوره ومتابعيه بـ”الفتوى”، عاصفة ملأت عيون المصريين مسلميهم  قبل أقباطهم بكثير من الأغبرة التي تكافح الدولة والعالم أجمع للحد من تطايرها وتسببها في اتلاف رؤية البشر  للصورة الحقيقية للإسلام والإنسانية والسلام المطلق.

 

لن أناقش تفاصيل دينية لأوتفاسير قرآنية تعزز أو تدحض رأي الشيخ عبد الجليل، فلست داعية أو من أهل الفتوى والتفسير، ولكن سأذهب الى منحى آخر تماما وهو محاولة البحث عن إجابة  للاستفسار الذي عنونتُ به مقالي: ” ماذا لو لم يُجاهر بالتجديف ؟؟

ماذا لو احتفظ الشيخ عبد الجليل وغيره من مئات الدعاة والمشايخ ورجال الدين والخطباء والأئمة بآراء شبيهة قد تتفاوتت في درجة تكفيرها وتجديفها، ولكنها تشترك في رفض الاعتراف بعقيدة  الأديان السماوية الأخرى خاصة المسيحية وتزدري معتنقيها بفظاظة؟

ماذا لو بقيت هذه الأفكار مُطبقة داخل عقولهم لتنفـثها تصرفاتهم وممارساتهم في المناسبات وخلال الندوات وحلقات الدين وشرح التفاسير للطلبة  والعامة، وليتم  تناقلها جيلا بعد جيل دون الكشف عنها  “إعلاميا”  سواء بقصد أو بزلة لسان كاشفة؟!

كان من الممكن جدا أن تمر هذه الآراء مرور الكرام  ولايدري بها أحد بعيدا عن أعين ومسامع الجمهور، إلا اذا تناقل أحدهم مقاطع لهذا الشيخ أو ذاك بهاتفه المحمول ليوثق ما اختلسه من اقول تشعل لهيب الفتنة وتؤجج نيران الرأي العام كما هو حاصل هذه الآونة !!

أليس هذا نوع من ممارسة “التقية” بأن يظهر الشيوخ ما ليس في دواخلهم تجاه معتنقي الأديان الأخرى؟ وإن جاهروا بها  اتـُهموا بالازدراء والتجديف؟

نحن الآن أمام سلسلة من الإجراءات الحاسمة التي تطبقها الجهات الرسمية في الدولة ممثلة في وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر لقطع  دابر أي محاولات للانحراف عن مباديء وثوابث أصبح لا تنازل عنها، وهي “التعايش السلمي، الوحدة الوطنية، الاعتدال والوسطية، قبول الآخر، الحوار بين الاديان”، وجميع ماسبق  ينضوي تحت هدف أكبر وأوسع  وهو ( تصحيح الخطاب الديني بغية التصدي للارهاب والتطرف ) .

أصبح معتاداً أن نرى يوميا قرارات بوقف وفصل مشايخ ومنتسبين للأزهر وجامعته أو دعاة وخطباء في المساجد، بسبب  تصريحات مشابهة  للتكفير أو التحريم أو إطلاق الفتاوى جزافاً بما يجوز و لا يجوز وما يحل وما لايحل ؟؟  ومن ثم نقع في تبعات هذه القرارات من ردود فعل وتلاسن وتعنت وتحديات وصولا للأحتكامإلى القضاء والحبس  لكي يتكشف  لنا وبشكل صادم ومخيف “حجم الهوة  والانقسام ” بين القيادات الدينية وكبار المشايخ وعلماء الدين كبارهم  وصغارهم  ( سناً ومقاماً وخبرة وعلماً ).

لعل أكثر ما ساهم في تفشي هذه البلبلة وانتشار هذه الاراء  الهجومية  الحادة بشكل أكبر من ذي قبل هو فتح المجال أمام كل  جلباب وعمامة  وشهادة تخرج أو صوت أزهري  للحديث في وسائل الاعلام كضيوف (شبه ثابتين ) أو مقدمي برامج  ليطلوا علينا وكأنهم خلفاء الله على الأرض والعالمين بما في الصدور والمتحكمين بمصائر الخلق وخواتيم أعمالهم  إن شاؤوا جعلوهم  في الجنة وإن أبوا أجحموهم  في النار !!!   وأنا هنا لا أهاجم الازهر حتى لايفهم حديثي بما  ليس فيه ، ولكن اتوقف امام احداث تفرض نفسها نتيجة معطيات واسباب أدت الى نتائج موجعة  قد تقود الى تفسيخ المجتمع في دينه وعقيدته وتأليب علاقته مع شركائه في الوطن  والانسانية.

لذلك لا بد لنا من وقفة حقيقية نعيد بها تقيم  قدراتنا الحقيقية وسرعة خطواتنا  نحو تغيير الخطاب  الديني وتصحيح مساره والوقوف على الهدف الحقيقي من تصحيحيه أهو التصحيح فعلا أم التسطيح و السيطرة؟

ماذا يقدم الاعلام وماذا تفعل الدولة ومؤسساتها الرسمية دينية وتعليمية وأهلية ؟ والى أي مدى يجري التكامل والتنسيق بين جميع هذه الحلقات؟

أين استراتيجية تصحيح الخطاب الديني العملية القابلة للتطبيق من رؤية الدولة 2020 وليس مايعلن في وثائق المؤتمرات والبيانات الختامية للحوارات بين الاديان ؟!  مالذي أُنجز فيما يتعلق بمحور تجديد الخطاب الديني  من الرؤية المستقبلية ونحن الان في النصف الثاني من 2017م؟!

كيف سنجدد خطاب العقول والروح  والفكر؟ هل باستمرار العزف على ذات المقطوعة المخدوشة ( الهلال والصليب يد واحدة) ويبقى مافي القلب في القلب؟ أم سنجاهر بما تراكم في عقولنا وقلوبنا التي تم حشوها لسنوات ونُكـّفر هذا وذاك وننجر ونجر غيرنا الى التطرف والغلو ؟

نحن بالفعل بحاجة ماسة الى مسارات جديدة تستطيع أن تجابه موجة التطرف والاهاب الفكري التي نمت وترعرعت حتى وان لم تمسك بيدها سلاحا داميا ،  ولكنها تخبيء  اسلحة أخطر تلتهم  آدميتنا  و تغتال قيماً  اجمع عليها  أصل  كل الاديان السماوية  وغير السماوية  وهي  قيم التراحم والمحبة وقبول الاخر والتعايش بسلام  وهذه الاسلحة في رايي لاتقل خطورة عن الكلاشينكوف والمتفجرات.