بشار إبراهيم يكتب: "حار جاف صيفاً".. السينما بوصفها علاجا

بشار ابراهيم
بشار إبراهيم

حينها كنتُ في المسافة ما بين العملية الثانية والثالثة، والنتائج تشير، بعد عمليتين جراحيتين، إلى أن السرطان مازال في الحنجرة، على رغم استئصال الحبل الصوتي. عندما شرعتُ بمشاهد فيلم «حار جاف صيفاً» للمخرج شريف البنداري، خلال التحضيرات للدورة الثانية عشرة من «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، كنتُ متعلقاً بحتمية الاستمرار في التعامل الميداني مع المرض عبر الجراحات المتتالية، لأُفاجأ منذ اللقطات الأولى بالعمّ شوقي (يؤديه بمهارة محمد فريد)؛ رجلٌ مصاب بالسرطان، كلّ ما فيه يبدو آيلاً للنهاية، فأهتفُ في أعماقي، ومن أعماقي: «ليه يا عمّ شريف البنداري؟».

بكثير من التوجّس كان لمشاهد في مثل حالي أن يتابع وقائع هذا الفيلم الروائي القصير (32 دقيقة). فيلم يقدم نفسه بكلاسيكية أنيقة، يتبدّى فيها الذكاء في مطارح عدة، بدءاً من كتابة السيناريو، وإدارة الممثل، وصولاً إلى الاشتغال برهافة على النسيج البصري عبر التصوير والمونتاج، وتلك السلاسة التي تأخذك بهدوء ومن دون استعجال على طريق العمّ شوقي إلى عيادة الطبيب الألماني، في زيارة أخيرة وحاسمة.

لم يكن الطبيب الألماني في الفيلم يشبه طبيبة التخدير الألمانية في المشفى؛ الطبيبة التي ربتت على ظاهر يدي اليسرى، وهي ترزع في ذراعي إبرة التخدير، وتقول لي بابتسامة، فيها شيء من الدعاء: «إنه وقت النوم»، وسأعرفُ فيما بعد أنها من قامت بجهود جبارة لإبقائي قيد التخدير التام 26 ساعة متواصلة، مع عناية تامة بعزل أجهزة تنفسي، والحفاظ عليها في أحسن حال، درءاً لثقب الرغامى، تلك التي ستجعل حياتي «بائسة». وأنا الـ«شاب»، و«الذي يعمل في السينما»، وفق ما انتهت إليه معلوماتها السريعة عني.

بجلافة تامة سيتعامل الطبيب الألماني مع عمّ شوقي، الذي كان لوصوله إلى هذه اللحظة المصيرية من حياته، أن يمرّ بالمواقف التي تجمع ما بين الطرافة والمأساة. الصدفة والمقادير. والعبث الذي يمكن أن يكون عنواناً راسخاً. طريق العم شوقي التي تتقاطع مع طريق فتاة بسيطة (ناهد السباعي في أداء متمكن) تتهيأ للزواج، تقدح شرارة «حادثة نصف المتر» مرة أخرى في السينما، ولكن هذه المرة في سيارة تاكسي تتهالك في الطرق المزدحمة لمدينة القاهرة، في ذاك الصيف الحار الجاف كعادة القاهرة، منذ أن أضحى وسطها يعجّ بالبشر والمحلات والأزقة، وربما الفوضى.

الحياة والموت

ما بين الكهل الذاهب إلى الموت، والفتاة المُقبلة إلى الحياة، تنبني ثنائية فيلم «حار جاف صيفاً». وما صار فيلما روائيا قصيرا هنا، كان يمكن له أن يكون أيضا فيلما روائيا طويلا، إذ أن الشخصيات غنية التكوين. شخصيات ذات تاريخ نفسي خصب. بناؤها حاذق، والأحداث مؤثثة بشكل متنامٍ ومتفاعل، يمكن لها أن تمتد وتغتني، وتستدعي عناصر محذوفة، هي من مقتضيات فن القصة (اقرأ: الفيلم) القصيرة، وفق تعبير غي دي موباسان. ولكن الخيار الذي شاءه الفيلم وصنّاعه يبدو الأفضل، والأكثر رونقاً، بعيدا عن القفز في مهب الرهانات التي يمكن لها أن تبهت، كلما طال الطريق، أو تعرّج.

«حار جاف صيفاً» أنشودة للحياة في مواجهة الموت. الحياة تمد لسانها وتهزأ من الموت، حتى لو كان مستندا على تشخيص طبيب ألماني بارع، وحتى لو كان كل ما نراه يشي بالذبول والانطفاء. لم يكن للفيلم أن يكون على هذا القدر من التميز، لو أنه أخذ باب السلامة، ومضى إلى ما هو مُنتظر ومُتوقع. الدهشة التي مع نهاية الفيلم تعيدك إلى بداياته، كي تلملم التفاصيل وتنتبه أن لا شيء كان مجانياً. كل تفصيلة حركية أو نمنمة بصرية أو سمعية، مقصودة، وموضوعة في مكانها، لتؤدي جميعها في النهاية هذا الأداء الهارموني لعناصر الفيلم، وتذهب إلى أبعد من الخطاب والرسالة، وتصل إلى مستوى الطاقة؛ طاقة الحياة (النجاة)، والحبّ (الزواج)، والخصب (الإنجاب).

يترافق الموت والحياة في الدروب النازفة حرّاً وضيقاً وضجيجاً، والفيلم يعتني بنباهة بالامتناع عن ممارسة أي تصعيد خارجي، يسقط بالفيلم. يحدث الامتناع، ويتأسس الاقتصاد، على رغم المغريات التي كان يمكن لها أن تزيد من الجانب الميلودرامي في الفيلم، أو تتورّط في الجانب الهزلي. متانة السيناريو، وانضباط المخرج، كانا مفتاح النجاة من أيّ شطط، ليأتي الفيلم في غاية التشذيب، ملموماً رشيقاً. فضلاً عن حذاقة التعامل مع الموت بعيداً عن الفجائعية، بخاصة وأن الموت هو العنصر المهيمن على وقائع الفيلم، ولا يكاد يغيب لقطة عنه، بينما الحياة تتلمّس ذاتها بعناء على الدروب التائهة.

الإنسان والمكان

ربما هي سمة لسينما المخرج شريف البنداري (1978)؛ الاحتفاء بالإنسان أولاً، ومن ثم بالمكان/ الإنسان في مكانه. الاهتمام الأساس في أفلام البنداري ممنوح دائماً للشخصية وجوانبها الإنسانية. واقعها، وما يشاغلها فيه. كل ما في الفيلم يبدو موظفاً بعناية لأداء هذا الاحتفاء بالإنسان. هذا شاغل البنداري سينمائياً، وما بين فيلم اللقطة الواحدة «صباح الفل» (2006)، و«ساعة عصاري» (2008)، وصولاً إلى «حار جاف صيفاً» (2015)، يبدو ثمة خيط ناظم يمكن الانتباه إلى ترسيمته التي تشمل شرائح المجتمع المصري (القاهري أولاً)، من جيل إلى جيل، وبدرجة يمكن لمح أصداء وظلال كلّ منها في الآخر، حتى لو بدا ذاك غامضاً أو سرياً، أو انغلقت دروب المدينة على اثنين؛ الجد وحفيده كما في «حظر تجوّل».

الزوجة. الشاب. الأب. الأم. الجد والحفيد. الكهل. سؤال الحياة والموت. النوم والاستيقاظ. العمل والكسل. الخروج والمكوث. البيت. الشقة. الصالة. المطبخ. الأثاث. البلكونة. تفاصيل حاضرة ذات معانٍ ودلالاتٍ تفيض عن مجرد سرد حكاية لتقول حياة إنسان وسيرته. لا أحداث عاصفة تقع في أفلام شريف البنداري، ولا انعطافات دامية قاسية، أو صدمات. هي وقائع الحياة اليومية الرتيبة. الدوران في فلك زمان، سوف يتطاول ليغدو تجربة عمر، ومسيرة حياة. أسئلة بعيدة الغور تذهب إلى المسكوت عنه. الغامض والسحري في الشخصيات التي نتآلف معها، ونتضامن معها، ونصادقها، ولا نعود ننساها.

والإنسان ابن مكانه. والمكان هو القاهرة، غالباً. بل وسط القاهرة. «وسط البلد»، كما أسماها واستحضرها ووضعها في عنوان وجوهر وثائقيه «الطريق إلى وسط البلد»، الذي أخرجه في العام 2012. وعلى رغم أن فيلمه «حظر تجوّل» (ضمن الفيلم الجماعي «18 يوماً») يذهب إلى مدينة السويس، في ليلة 11 فبراير 2011، إلا أن كل شيء في سينما شريف البنداري يبدو منتظماً في سياق يوضح اختيارات المخرج، ورؤيته. مصاحبة الإنسان، والجولان في المكان، حتى لو كان في الأمر حيلة، كما فعل علي الذي ادّعى المغص.

الطاقة الإيجابية

عندما انتهيتُ من مشاهدة فيلم «حار جاف صيفاً»، شعرتُ بطاقة إيجابية غير عادية. كأنما كنتُ بحاجة ليد تنتشلني مما أنا فيه؛ حينها في المسافة ما بين عمليتين جراحيتين لاستئصال السرطان. وكأنما جاء هذا الفيلم، في هذا الوقت بالذات، ليبثّ فيّ شيئاً من القوة والشعور بالقدرة على الخلاص. لم يعد العم شوقي مجرد كهل يتهاوى وينتهي، ولا رجلاً آيلاً للانطفاء. بات كتلة من الإشعاع بأمل طاقة إيجابية، هي تحديداً ما يجعل السينما علاجاً؛ الاغتسال من السرطان في هذه الحالة، والانتشاء بالحياة، والسعادة بالحبّ والخصب.

نقلاً عن موقع “زائد 18”

اقـرأ أيـضـًا:

١٥ مصدر قوة لـ”باب الليل” الحاصلة على جائزة ساويرس

جابر القرموطي يكتب: أن تكون بلا شلة تحميك!

33 لقطة من أولى جلسات برلمان الـ 596 نائبًا

القائمة المبدئية للدراما الرمضانية 2016

بعد واقعة “حريق فندق دبي”.. هؤلاء أيضا دخلوا السجن بسبب “سيلفي”

مباريات الدوري بصوت جابر القرموطي ويوسف الحسيني !

.

تابعونا علي الفيس بوك من هنا

تابعونا علي تويتر من هنا