ببساطه ميسي لاعب كرة قدم يجعلنا نشاهد المباراة لأننا نريد أن نعرف ماذا يمكن للإنسان أن يفعل أصلًا.
ميسي لم يصبح ميسي لأنه يملك قدمًا يسرى مذهلة فقط ولا لأنه يجيد المراوغة أو تسجيل الأهداف. هذه كلها أجزاء من الصورة، لكن ما يلفتني أكثر هو قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون. يلتقط مساحة صغيرة ويسبق المدافع بخطوة ويتخذ قراره في اللحظة التي ما زال الآخرون يحاولون فيها فهم ما يحدث.
هنا يظهر سحر كرة القدم. ليست مجرد مباراة بين فريقين، وإنما لحظة يستطيع فيها الإنسان أن يفاجئ الإنسان. ملايين الأشخاص في بلاد ولغات وثقافات مختلفة، يشاهدون المشهد نفسه ثم يخرج منهم السؤال نفسه: عمل كده إزاي؟
وميسي لديه قدرة نادرة على صناعة هذه اللحظات دون ضجيج. يفعل شيئًا يدهشك ثم يكمل طريقه وكأنه فعل شيئًا عاديًا. ربما هذه إحدى أكثر الأشياء التي أحبها في طريقته؛ أنه لا يحتاج إلى شرح ما فعله ولكن في الملعب يتولى المهمة.
ولهذا أصبح اسم ميسي أكبر من مجرد اسم لاعب. عندما نقول عن شخص بارع في مجاله «ده ميسي»، فنحن لا نقصد فقط أنه متفوق، وإنما نشير إلى موهبة تجعل الآخرين يعيدون التفكير في حدود الممكن.
لكنني رغم كل هذا لا أستطيع أن أتحدث عن ميسي بالطريقة نفسها التي يتحدث بها الآخرون.
لأن علاقتي به لم تبدأ من ملعب، ولم تتشكل من بطولة أو كأس أو رقم قياسي. بدأت في الأيام الأخيرة من حياة أبي.
كان والدي يصارع مرض صعب في أيامه الأخيرة. وفي هذه المرحلة لا يعود المرض مجرد كلمة في تقرير طبي بل يصبح حاضرًا في تفاصيل اليوم كلها، في الحركة والنوم والطعام والكلام وحتى في نظرة العين.
وسط هذه الأيام كان هناك شيء يتغير عندما يشاهد أبي ميسي.
كان يتابع المباراة بينما كنت أتابع وجهه أكثر من الشاشة. كنت أعرف شكل التعب وأعرف أن الألم موجود، لكنني كنت أرى أحيانًا ابتسامة. للحظات كان أبي ينسى أنه مريض.
ومن هنا فهمت شيئًا لم أفهمه وأنا أشاهد كرة القدم طوال سنوات: أن قيمة اللحظة ليست دائمًا فيما يحدث داخل الملعب، وإنما فيما تتركه هذه اللحظة في الإنسان الذي يشاهدها.
ميسي لم يكن يعرف أبي. لم يكن يعرف أن رجلًا يصارع السرطان يجلس أمام الشاشة، وأن مراوغته أو هدفه يمكن أن يمنحه دقائق قليلة من الراحة. لم يكن يعرف أن لاعبًا في ملعب بعيد يمكن أن يجعل وجه رجل متألم يستعيد ابتسامته.
وهذا بالنسبة لي هو الجزء الذي يتجاوز كرة القدم.
العالم كان يرى لاعبًا يقدم مباراة، وأبي كان يرى شيئًا آخر؛ فرصة قصيرة يخرج فيها من عالم المرض إلى عالم الكرة، حيث لا يوجد موعد مع طبيب، ولا ألم ينتظر، ولا جسد يفرض عليه ماذا يفعل.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة إذا نظرنا إليها بلغة كرة القدم. لا تدخل في الإحصائيات، ولا تُحسب في عدد الأهداف أو البطولات، لكنها بالنسبة لي أهم من كثير من الأرقام.
لأن هناك أشياء لا تسجلها كرة القدم.
أن تجعل إنسانًا يتألم يبتسم. أن تمنحه دقائق ينسى فيها مرضه. أن تدخل إلى يومه من دون أن تعرفه، وتترك فيه شيئًا جميلًا.
ربما لهذا أرى ميسي من زاوية مختلفة. لا أعرف من سيأتي بعده، ولا من سيكسر أرقامه أو يفوز ببطولات أكثر. كرة القدم لا تتوقف عند لاعب، وكل جيل يصنع نجومه.
لكن هناك شيء لن يستطيع أي لاعب آخر أن يرثه.
ميسي أبي.
تلك ليست بطولة ولا رقمًا ولا لقبًا. إنها ذكرى خاصة جدًا، مرتبطة بإنسان أحبه، وبأيام لن تعود.
وربما هنا يكمن سحر كرة القدم الحقيقي. أنها تبدأ كلعبة، لكنها لا تعرف أين يمكن أن تنتهي. قد تنتهي في ذاكرة مشجع، أو في صداقة، أو في قصة حب، أو في بيت يجتمع فيه أفراد الأسرة حول مباراة، أو حتى في وجه رجل مريض يجد، ولو لوقت قصير، شيئًا يجعله ينسى ألمه.
ميسي بالنسبة للعالم واحد من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ.
أما بالنسبة لي، فهو جزء من الأيام الأخيرة لأبي.
ولهذا عندما أفكر في ميسي، لا أتذكر فقط الأهداف والمراوغات والبطولات. أتذكر وجه أبي.
وأفكر في أن بعض البشر يتركون أثرًا في حياتنا دون أن يعرفوا أننا كنا نحتاج إليهم أصلًا.
وهذا بالنسبة لي هو ما وراء القدرات البشرية في ميسي.