خطوب ودروب.. محاولة جادة لتحليل تأثير العالم الافتراضي على واقعنا والبحث عن نجاة!!

بلغة شديدة التميز تعيدنا إلى لغة أمهات الكتب في أدبنا العربي، والكتب الفارقة في مكتبتنا العربية، استطاع الكاتب محمد شبراوي في كتابه "خطوب ودروب" الصادر حديثًا عن "دار يلدز"، التعبير ومناقشة الكثير من القضايا الهامة والمؤثرة والمصيرية التي لا تهدد وطننا العربي فقط بل العالم أجمع.

لماذا بدأت حديثي عن الكتاب بالحديث عن اللغة؟ ببساطة لأن اللغة التي اختارها الكاتب كبطلًا لكتابه تتجاوز فكرة كونها أداة للتعبير عما يريد توصيله، بل للغة في الكتاب دلالات أخرى كثيرة. فالكتاب في جوهره يناقش ويحاول أن يبحث في بواطن الخلل في عالمنا المعاصر، حيث استشهد الكاتب بكثير من الأفكار التي يريد توصيلها من نقاط شديدة التأثير على عالمنا، بالمواضيع التي تم طرحها من قبل في مختلف الصحف والوكالات الإعلامية الشهيرة. ليؤكد ما أكده وأثبته كتُاب ومفكرون آخرون، من أن كل السياسات التي يتبعها إنسان هذا اليوم هي السياسات التي تقود إلى ما أكده الكاتب والمفكر "آلان دونو" مؤخرًا في كتابه الذي حقق صدى هائلًا والمعنون "نظام التفاهة". والذي أكد فيه أن العالم ينزلق بكل سرعة -وفي كل المجالات وعلى كافة الأصعدة- إلى نظام سيطر عليه مجموعة من التافهين، الذين يحاولون تسليع كل شيء بما في ذلك المشاعر الإنسانية، والأفكار الإنسانية الأولى، سواء كانت دينية أو تراثية أو حتى أخلاقية وفلسفية.

نرشح لك: "تل أبيب.. الإسكندرية".. الوطن حين يتجسد كخدعة كبرى!!

وبالتالي -وإذا عدنا للنقطة التي انطلقنا منها للحديث عن الكتاب وهي اللغة- فإن اختيار الكاتب للعودة إلى لغة، وأسلوب عربي، والاستعانة بالمواقف الإنسانية والأدبية التي يذخر بها أدبنا العربي والإسلامي العتيق، موفقًا للغاية، ففي الكتاب بجانب كما ذكرنا -الاستعانة ببعض الأمثلة والقصص العربية- نراه يفصل أو يدُخل بعض الآيات القرآنية، أو يستشهد ببعض الأحاديث النبوية، وسط حديثه عن الموضوع الذي يتناوله، دون أن يشعر القارئ أن هذه الآية أو هذا الحديث تم إقحامهما في النص.


فمثلًا حين يتحدث الكاتب عن قضية خطيرة تملأ عالمنا الآن، مثل موضوع وسائل التواصل الاجتماعي وما تلعبه تلك الأداة الخطيرة في حياتنا الآن، نراه يقول مختارًا مرادفاته وألفاظه على النحو التالي: "بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل، وليس لعاقل أن يجحد أهمية منصات التواصل في عصرنا الراهن، وإن كنا من حين لآخر نحن -في فورة النوستالجيا- إلى ماضينا العذب، لكننا لن ننسلخ من واقعنا أو نتنكر له. يمضي كثيرون ساعات على تلك المنصات، تتنوع البواعث ويتباين التأثير والتأثر، في الجملة فإن الانفكاك من هذا الواقع ليس منطقيًا ولا سبيل بحجب الشمس بغربال".

هكذا يطرح الكاتب القضية أمام القارئ، ثم يدخله في رحلة البحث والتفكير عن الحل، والذي نراه أيضًا يقول عنه: "فاستثمار دروس الواقع الافتراضي -فضلًا عن الواقع المعيش- أمر محمود فهي تزخر بالمواقف والأحداث التي لا تخلو من فائدة، تجارب من مختلف الثقافات والتجارب ليس لها نهاية والمرء منها أبدًا في زيادة، فإذا كان الإنسان يتعرض لمنصات التواصل بصورة يومية أو شبه يومية، فعليه أن يفيد من دروسها المجانية".

هكذا ببساطة شديدة طرح الكاتب قضية كبيرة وخطيرة للنقاش، وبالبساطة نفسها قدم حلًا أراه جيدًا، فهو لا يرفض وسائل التواصل كل الرفض، ولا يقبلها بكل ما فيها، ولكنه يقترح على القارئ أن تشكل هذه الوسائل جزءًا صغيرًا من حياته وليست حياة كاملة افتراضية أو بديلة، بل عليه أن يأخذ من تلك المنصات ما فيها من إفادة مثل الانفتاح على الثقافات الأخرى، ومشاهدة اختلافها وتنوعها، وهكذا وببساطة أيضًا يطرح الكاتب سؤال الآخر، ودور هذا الآخر المختلف عنا ثقافيًا وفكريًا ونظرتنا له.

ينتقد الكاتب كل النظم والآليات التي تستخدم في عالمنا -وتحديدًا الإعلامية- التي تجعل التافهين يسيطرون على عالمنا. فكما يحاول هؤلاء السيطرة على الوسائل الإعلامية والسياسية، يحاولون أيضًا السيطرة على المجال الثقافي والديني، فنرى المثال الذي ضربه الكاتب بالفتاة التي تفخر بأنها قرأت حوالي 40 كتابًا في اليوم، ورجل الدين الشهير الذي قال إنه قرأ ربع مليون مجلد.. هذا ببساطة يشير إلى جهل هؤلاء، فالمثقف الحقيقي لا يجب أن يؤمن أن تكوين ثقافته يعتمد على عدد ما قرأ من كتب. وأنه كلما زاد عدد الكتب التي قرأها زادت ثقافته، ولكن في حقيقة الأمر أن القارئ والمثقف الحقيقي يؤمن إيمان مطلق بأنه جاهل مهما قرأ.

بالإضافة لأنه يعلم أن الكتب ليست بالكم، فعلى سبيل المثال سلاسل روايات الجريمة قد يصل بعضها إلى 100 جزء، والجزء منها يمكن اعتباره كتاب، فهل يعني هذا أنني قرأت 100 كتابًا عند قراءتي للسلسة؟.. الملخص أن القراءة لا تقاس بالعدد بل بما ينفعني ويضيف لي كقارئ ويغير أو يساعد في تكوين رؤيتي للبشر وللعالم من حولي.

ولأن الكاتب بدا منشغلًا في المقام الأول بالتغيرات التي لحقت على إنسان هذا العصر، ثقافيًا، ففي أجزاء أخرى من الكتاب، حكى ورصد الكاتب الكثير من المواقف النادرة، التي تعرض لها بعض الكتاب والأدباء والمفكرين العرب، بالنسبة لي كان كثيرًا من هذه المواقف جديدًا ولم أقرأه من قبل، وفي الوقت نفسه ساعدتني هذه المواقف في الاقتراب من شخصيات مثل توفيق الحكيم، وطه حسين وما حدث للعميد عندما انتقد الأبيات التي كتبها الشاعر حافظ إبراهيم بمناسبة افتتاح الملك فؤاد لمدرسة ثانوية تحمل اسمه، وبعض المعارك السرية التي خاضها العميد، تلك المعارك التي أغفلتها بعض الكتب التي تناولت سيرته، ومن ضمن هذه الحكايات حكاية العميد مع الشاب الذي رفع عليه دعوى جنائية، وغيره من المواقف الهامة. ومن ثم ينطلق الكاتب لترشيح بعض الأفلام الهامة والمؤثرة سواء القديمة أو الجديدة مثل الفيلم الإيراني (البطل "A Hero").

في الأخير يمكن اعتبار الكتاب محاولة جادة لتأمل بعض الأزمات والمشاكل التي تهدد عالمنا الآن، والخطاب الإعلامي الذي يتم تقديمه لمختلف الشعوب من خلال كافة المنصات، والطرق المتاحة للإنسان للتعامل مع هذه المشكلات التي أصبحت مفروضة عليه، أو ربما الطرق المتاحة للنجاة.