الصوفية (3).. الحقيقة بين انتشار التصوف ونشأته

محمد مصطفى عزوز

لقد تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن نشأة الصوفية وسبب تسميتها بالأدلة العلمية المنطقية بعيداً عن الهوى والتعصب وخرجنا بأن السبب الحقيقي لاسم الصوفية أنه مشتق من الصُفة وهم قوم اختصهم الرسول بالتفرغ للعبادة والنُسك وبعد ما عرفنا طريقة النشأة وسبب التسمية يبقى السؤال الأخر الذي سيضعنا أمام معضلة أخرى وهو كيف تكون نشأة الصوفية في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بينما تٌرجع جميع المصادر ظهور الصوفية إلى القرن الثالث الهجري !!.

تقول المصادر الدينية والتاريخية التي تتحدث عن ظهور التصوف أن التصوف ظهر عن طريق مجموعة من العباد النساك في الإسكندرية في القرن الثالث الهجري بلا ذكر لهؤلاء النساك العباد أو صفاتهم أو أسمائهم وهنا سنعرف أن التصوف كان موجوداً ومعروفاً ومعرفاً لكنه لم يكن منتشراً لما مرت به الأمة طوال القرون الثلاث الأولى من صراعات سياسية ودينية ومذهبية ولعل الدارس للتاريخ الإسلامي يجد أن الدولة الإسلامية قبيل القرن الثالث الهجري امتلأت بالفتوحات والثورات والدسائس والصراعات على الحكم وهذا مناخ لم يساعد على انتشار حركة الصوفية الروحية لأن العبادة الروحية لا تظهر ويظهر أتباعها إلا في مناخ مستقر خالي من الحروب والنزاعات خاصة وأن المؤرخين اهتموا في تلك الفترة بصراعات العلويين والعباسيين والأمويين والخوارج والعرب والموالي وصراعات الفكر بين المدارس الفكرية المختلفة التي نشأت في تلك الفترة.

نرشح لك: تاريخ الصوفية وحاضرها (1).. الصوفية بين الصوف والصفاء والحكمة اليونانية

ومن هنا ففي ظل ما تموج به الدولة عند نشأتها من حروب خارجية وداخلية وصراعات فكرية والغموض حول أولئك المتصوفة في الإسكندرية يؤكد أن الصوفية موجودين من قبل ذلك لكن الحركة غير منتشرة أو غير ظاهرة لانشغال الناس بالصراعات السياسية التي كانت تأخذ شكلاً دينياً ولأن التصوف عبادة روحية في الأساس لم تجد لها مكاناً في الظهور ولم يكترث لا المؤرخون ولا أهل العلم بأولئك العباد النساك لذا لم نجد لهم دليلاً يذكر.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى سنجد في معظم الكتب القديمة والحديثة في الحديث عن التصوف وبداياته استخدام لفظين ظهور التصوف وانتشار حركة التصوف وليس كباقي المذاهب يتم الحديث عن نشأة التصوف ولعل الألفاظ لا تأتي اعتباطا وليس اللفظ يأتي على سبيل الصدفة إن الصوفية نشأت على أيام الرسول وبأمر منه وتكونت مبادئها على يديه عليه الصلاة والسلام وقد أكدنا ذلك بالدليل المنطقي في الحلقتين السابقتين ولكن كل المصادر تتحدث عن ظهور التصوف في القرن الثالث الهجري ولعل لفظ ظهور هنا يدل على الحل.

إن ظهور الشيء وانتشاره في موعد معين لا يعني وجوده في ذلك الموعد ولكن يعني وجود الشيء قبل ذلك الموعد لكنه كامن وغير ظاهر ومن هنا نستنتج أن التصوف كان موجوداً من أيام الرسول ولكن مع الفتوحات والفتن التي انتشرت في القرون الأولى من انتشار الإسلام والفتوحات وعدم اختلاط التصوف بالسياسة والحكم هو من أدى إلى عدم انتشار الدعوة الصوفية الروحية في تلك القرون أو حتى النظر إليها من قبل المؤرخين وأهل الدين ولكن مع استقرار الدولة الإسلامية ظهرت الحركة الصوفية وعن علم التصوف نتحدث في الحلقة القادمة طيب الله أيامكم .. وإلى لقاء.

نرشح لك: الصوفية (2).. حقيقة أسم الصوفية من الدلائل المنطقية