سيرة القراءة (2).. قارئتي الأولى

سيرة القراءة 2
حاتم حافظ

لم أعرف مجلات ميكي إلا بعد فترة طويلة. الكتب الأولى التي اشترتها لي أمي كانت قصصا مكتوبة للأطفال وبها رسومات لطيفة. لأسباب لا أعرفها لم تسترع الرسومات انتباهي. كل ما ولعت به هو الكتابة.. اللغة.. اصطفاف الكلمات بطريقة محسوبة لتحكي قصة مشوقة. لا أذكر بالطبع أي من هذه القصص لكني – في سنتي الأولى في الابتدائية تقريبا – كتبت أول قصة. كان اسمها “عيد الأم” وكانت تحكي عن طفل يرغب في شراء هدية لأمه في عيد الأم لكنه لا يعرف ما الذي يشتريه كما أنه لا يملك المال اللازم.سيرة القراءة 2 

نرشح لك: سيرة القراءة (1).. طنط روز


القصة عن مغامرة الطفل للحصول على هدية يفشل في الحصول عليها لكنها تنتهي نهاية سعيدة: تحتضن الأم ولدها وتخبره أنها تحبه حتى ولو لم يشتر لها هدية. كانت هذه القصة أولى تجاربي في التعبير عن أن الحب الحقيقي لا يكون – بأي حال – مشروطا. حين أكبر سوف أكتشف أن الحب – ككل شيء – له شروط، لكن في سن الثامنة كان الحب الذي تهبه لي أمي لا شروط له فظننت أن الحب كله كذلك.

القصة كتبتها في بيت خالتي نادية، كانت تسكن بالقرب من بيتنا بعد عودتها من ليبيا هي الأخرى، ولأن أمي كانت تعمل في شركة خاصة بوسط المدينة فترتين، ولأن أبي كان يعود من عمله كموظف بشركة تريكونا متأخرا، فقد كانت تتركني بصحبة خالتي فترات طويلة. حين كتبت قصتي لم تكن خالتي بالبيت، كان لديها مشوار فتركتني بصحبة شابة من جاراتنا، التي أذكرها في ثلاثة مشاهد فقط رغم طول فترة الجيرة: المشهد الأول حين انبهرَت بقصتي وبقدرتي على صنع قصة (أشارت بالطبع لوجود بعض الأخطاء اللغوية) وأخبرتني أنني يجب أن أكتب باستمرار. لا أنكر طبعا أن فكرة وجود جمهور – حتى ولو كان مجرد جارة تقوم بواجبها كجليسة لطفل – كانت فكرة مدهشة. ومن يعرف فربما كان تصفيقها دافعا لاستمراري ككاتب.

الحقيقة أن علاقة الكاتب بالقارئ – بالنسبة لي – علاقة ملتبسة تماما. في ظني أن “الكاتب يكتب لكل القراء” هي واحدة من أكبر الأساطير في عالم الكتابة، فالكاتب الذي يكتب للجميع ينتهي به المطاف للكتابة للا أحد. الكاتب يكتب لقارئ افتراضي، لقارئ متخيل، يكتب لقارئ متخيل يظن أنه مهتم بقراءة ما يكتبه. القارئ بدوره يقرأ لكاتب افتراضي، لكاتب متخيل. الكاتب الحقيقي يتخفى طوال الوقت كي لا يربك الكتابة بوجوده، حتى حين يكتب بضمير الفاعل. حتى وهو يكتب سيرته الذاتية. الكاتب يتخفى حتى لتصبح فكرة الكاتب نفسها خادعة. القصة نفسها في كل مرة قراءة تكون لقاء كاتب متخيل بقارئ متخيل، حتى حين يقرأها نفس القارئ عدة مرات لا يكون القارئ هو نفسه ولا الكاتب هو نفسه ولا القصة هي نفسها، وهذه هي الحالة الوحيدة التي تتسع فيها قاعدة القراء، لأن “إعادة قراءة” قصة أكثر أهمية من قراءة وحيدة لمرة أخيرة حتى لو قام بها قراء بالملايين.

كان ساراماجو يظن أن “قراءة” كتابه الأول الذي قرأه – حسب قوله – سبعة عشر شخصا كانت أفضل من قراءة الملايين الذين قرأوا كتبه الأخرى؛ السبعة عشر شخصا كان يعرفهم وكان بوسعه أن يسألهم عن رأيهم أما حين تحول لكاتب شعبي صار كاتبا محاصرا بالعزلة.

المشهد الثاني الذي رأيت فيه قارئتي الأولى كان يوم مولد أختي الصغيرة، كنت أقترب من الخامسة وقتها، فلما فاجأ أمي ألم المخاض ليلا لجأت لشابتين جارتين ليبقيا معي في البيت. كنت نائما ولما فتحت عيني وجدتهما نائمتين جواري. ظللت في السرير أصنع في عقلي حكاية عن قتلهما لأبي ولأمي انتقاما من ماض لا أعلمه وبدأتُ بيني وبين نفسي في تدبير خطة للخلاص منهما خصوصا وقد اكتشفت أنهما لم يقتلا والديّ وأنهما يحتفظان بهما – مقيدين – في مكان ما! كانت هي واحدة منهن.

أما المشهد الثالث والأخير فكان حين عادت من إيطاليا منطفأة تماما مع طفلتين صغيرتين بعد طلاقها عقب زواج قصير العمر. هذا المشهد كما لو تم تثبيته حتى كبرت وصرت رجلا وغادرت الحي كله، لدرجة أن مزيج الانكسار والقلق الذي رأيته على وجهها مختفيا خلف شبه ابتسامة ظل على وجهها في كل المرات التي رأيتها فيها. وفي كل مرة كانت تظهر بمظهر من يهم بإلقاء دعابة لكنه يتراجع عنها لأن الوقت لم يعد مناسبا.

في طفولتي كنت أعوّض غياب الكتب والقصص بالإنصات للآخرين وقصصهم، أو بالأحرى للأخريات. كنت محاطا بعدد كبير من الشابات اللاتي كن يستعرنني في مشاويرهن، كعادة الطبقة الوسطى لم يكن من اللائق رؤية فتاة إلا بصحبة أب أو أم أو أخ، حتى ولو كان هذا الأخ مجرد طفل صغير يسكن في الدور العلوي. لا أعرف إن كانت مصاحبتي بإيعاز من أهلهن أو لطلبهن الشخصي، لكن وفّرت لي هذه المشاوير الكثير من الخبرات، وكثير من المعرفة.

كنت صغيرا جدا حين اكتشفت أن إحداهن على علاقة بابن صاحب محل خردوات، أو كما كان يطلق عليه وقتها “بوتيك”. كانت أحيانا ما تقف بالقرب من المحل ثم ترسلني لشراء شيء بعينه – حين كان أبوه – صاحب الدكان – موجودا، ويبدو أن ذهابي للدكان كان إشارة لوجودها بالقرب. في بعض الأحيان كان يعطيني الشيء ملفوفا في ورقة وفي بعض الأحيان كان يقوم ليأتي معي للاستفسار منها عن طبيعة الشيء الذي أرسلتني لشرائه! في المرات الأولى لم أفهم لكن مع تكرار الأمر شعرت بالارتياب. ما أن خرجتُ من الدكان وقبل أن أعبر الشارع – حيث تقف – فضضت الورقة – التي رأيته يسجل بها شيئا – وقرأتها ففهمت كل شيء. ارتبكت حين رأتني أقرأ المدون في الورقة وأخبرتني بضيق أن المعرفة – معرفتي بالقراءة – لعنة. ولأن الأمر صار مكشوفا فقد استسلما لوجود شخص ثالث في قصتهما. صرت أكثر يقظة في مشاويري بصحبتهن وبعد فترة قصيرة كنت قد فهمت أن للحب حقيقتين: لا يمكن منعه ولا يمكن إخفاؤه!

يبدو أنها كانت محقة. القراءة لعنة إذا ما كنا منصفين. في الأسطورة يخبر الله آدم أن يأكل من شجر الجنة كلها عدا واحدة. في التوراة كانت بالجنة شجرتان: شجرة معرفة الخير والشر، وشجرة الخلود. ورغم أن التحذير كان بشأن شجرة المعرفة فإن الله يخبره بأنه إن أكل منها فإنه يموت {وأما شجرة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها تموت}. كانت الشجرتان مرتبطتين بطريقة ما، فإما أن يأكل المرء من شجرة المعرفة وإما أن يأكل من شجرة الخلود. لا يمكن أن يفوز الإنسان بالمعرفة وبالخلود معا. المعرفة لعنة إذن. ولولا القراءة لما عرفت سر المشوار اليومي لمحل الخردوات، ولولاها لما عرفت الحب مبكرا. لقد أكلت من شجرة المعرفة مبكرا فصرت شخصا فان!

 

سيرة القراءة 2