علياء طلعت تكتب: أفلام في الأوسكار (1).. حرب باردة

بعد ثلاثة أيام ينتهي الموعد النهائي لتقديم أفلام أوسكار أفضل فيلم أجنبي، والتي يجب أن تكون عُرضت في الفترة ما بين الأول من أكتوبر 2017، و30 سبتمبر 2018، وهذه السلسلة تضم مجموعة من أهم الأفلام التي قدمتها بلادها لتدخل القائمة الطويلة لترشيحات الأوسكار، تلك القائمة التي سيتم اختصارها بعد إعلان ترشيحات الأوسكار في بداية 2019.

فيلم “حرب باردة” Cold war، ليس فيلمًا عن الحب في زمن الحرب ليصبح مشابه لعشرات الأفلام الأخرى، ولا عن العالم وهو مقسوم إلى نصفين كما برلين خلال الحرب الباردة، ولا حتى هو فيلم موسيقي أرّخ لها خلال 10 سنوات، هو القليل من كل ما سبق، لكنه في القلب فيلمًا عن الشغف الذي يحرق الروح، ويجعل الإنسان يأخذ قرارات أول ما تدمر هو نفسه.

بافل بافليكوفسكي يرسّخ جمالياته

“حرب باردة” إخراج بافل بافليكوفسكي، صاحب فيلم “إيدا” الذي حصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2013، ليعود بعدها بستة أعوام بفيلم هناك نقاط تشابه فنية بينه وبين “إيدا”، مثل اصراره على استخدام اللونين الأبيض والأسود في تصوير الفيلم، ونفس أبعاد الكادر، بل صاحبه ذات مدير التصوير لوكاس زال الذي جذب انتباه العالم بعد “إيدا”، وحصل على ترشح بالأوسكار عن تصويره.

نرشح لك: طارق الشناوي يكتب: ريح رباني.. عربون دخول الجنة

يضع بافل بافليكوفسكي قواعد لغته السينمائية الخاصة في فيلمه الثاني، الذي يستخدم فيه ذات الجماليات والأسلوب، ويجعل العالم متحفزًا منتظرًا لأفلام قادمة يتضح فيها هذا الأسلوب أكثر.

حب كسر جمود الحرب الباردة

تدور أحداث الفيلم خلال عقد كامل، حيث يبدأ في نهايات الأربعينيات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتقسيم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، وتبدأ الحكاية التي تنقّلت بعد ذلك بين عدة بلدان في بولندا، حيث يجمع عازف بيانو موهوب وشريكته، فرقة من المغنيين الريفين أصحاب الأصوات القوية والمعبرة عن الريف.

نرشح لك: طارق الشناوي يكتب: “يوم أضعت ظلي”.. عندما تنحاز السينما للإنسان!

يتعرف على الشابة التي خرجت من المراهقة للتو “زولا”، صاحبة صوت قوي وشخصية أقوى، بماضٍ غامض غريب وجمال بهي وذكاء مرعب، والأهم شغف استطاع سلبه عقله في أيام معدودة، لتبدأ بينهما علاقة عاطفية تجعلها نجمة الفريق، وتجعله واقع تحت سيطرتها جزئيًا حتى وهو يعرف إنها تشي به للحكومة تحقيقًا لمصالحها.

وعندما تتاح لهما فرصة الهرب من هذا الحصار الحديدي يطلب منها مرافقته، لكنها تتراجع في آخر لحظة ليحصل الفراق الأول بينهما، لتظل العلاقة خليطًا من البعد والقرب على مدار سنوات طويلة تنقلا خلالها بين بولندا وألمانيا ويوغوسلافيا وباريس، فلا هما قادران على البقاء معًا طوال الوقت حتى لو أتيحت لهما الفرصة، ولا يحتملا البعد.

شخصيات على الحد الفاصل بين الواقع والخيال

بطلا الحكاية زولا وويكتور، رسم شخصياتهما مستقى من والدي المخرج، حتى قدمهما بذات الأسماء الحقيقية، اللذان انفصلا والتقيا عدة مرات بسبب الاختلافات الجوهرية بينهما، وربما ساهم ذلك في جعلهما حقيقيان في محاسنهما ومساوئهما، ومن أكثر الشخصيات نضوجًا التي شاهدتها على الشاشة، وتطورهما منطقيًا وسلسًا من مرحلة لأخرى.

بالطبع هذا لم يكن يظهر بهذه الروعة الفاتنة دون الموهبة الفائقة، لدى كل من توماز كوت في دور ويكتور الموسيقي وعازف البيانو الموهوب بشدة، والذي يرغب في الجمع بين الفن والحب والحرية فيخسر طوال الوقت، وبالطبع الأداء الأكثر من رائع من جوانا كوليغ كزولا الشخصية الغاية في التعقيد والبرجماتية فتصبح تطوارتهما محركًا حقيقيًا للأحداث.

التأريخ بالموسيقى

استمرت أحداث الفيلم لعقد كامل، لتنتقل مع الأبطال من سنة لسنة عبر تطور رئيسي في شخصياتهم، ولم يكن من الضروري ذكر العام الذي نقف فيه في هذه اللحظة، فالمخرج استطاع بوسائل متعددة إبراز هذه التغيرات.

لو تتبعنا الموسيقى نجد أنها في الفيلم تبدأ بالموسيقي البولندية الشعبية وهي الخلفية القادمة منها البطلة، والتي يرغب فيها البطل لتكوين فرقته، لتأخذ بعد ذلك طابعا دعائيا لستالين والشيوعية في مرحلة إحكام السيطرة السوفيتية الشهيرة.

النقطة التالية ينتقل البطل لفرنسا، ونعرف ذلك عبر موسيقى البيانو في الملهى الباريسي المظلم، تكرر ذلك مع إقامة زولا في باريس مع حبيبها واتجاهها لغناء أغنيات غير مشابهة لتلك المعتادة عليها، لتصبح صدى لمغنيات شهيرات في هذا العصر مثل إديث بياف، فلا تستطيع تقبله “هي” أو شخصيتها الجديدة.

وفي النهاية نشاهدها تغني أغنية رائجة تجمع بين الموسيقى البولندية والمكسيكية بشكل لا يشبهها تمامًا، عندما تصل إلى حدود اليأس وفقدان الذات.

تكرر هذا الأمر مع شكل شعر البطلة وملابسها، ففي البداية بالشعر الأشقر والضفائر القصيرة الريفية، والملابس الثقيلة عديمة الأناقة المتلائمة مع الوجود تحت الستار الحديدي في بولندا بهذا الوقت، لنقفز إلى المرحلة التالية بعد مرور سنوات على قرارها عدم الهرب، حيث تخلت عن كل هذه الأشياء بشعر منسدل قصير، وفي باريس بعد اللقاء مرة أخرى تغيّرت بالكامل بملابس بسيطة وقصة شعر باريسية، لينتهي الفصل ما قبل الأخير وهي مرتدية شعر مستعار في إشارة لتخليها عن نفسها تمامًا، ويعود مشهد النهاية وهي بذات التسريحة البسيطة الريفية مرة أخرى.

ترشّح “حرب باردة” للسعفة الذهبية، وحصل مخرجه على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي، إضافة للكثير من الجوائز والترشيحات المستحقة الأخرى، وذلك قبل عرضه في مهرجان الجونة السينمائي ليحظى بإقبال كبير، ومن المتوقع له الوصول إلى القائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار كأفضل فيلم بلغة أجنبية.