الرجل الوحيد الذي قالت له أم كلثوم "الأمر لك وما تريد"!

نقلًا عن المصري اليوم

طارق الشناوي

دائما تحركنا صورة ذهنية نرى من خلالها من نحبهم، نرفض أن نضع أى رتوش أخرى على تلك الصورة التى تحقق فى جزء منها رغباتنا الدفينة، وما كنا نود أن يلتصق بنا من صفات إيجابية.

هكذا من الممكن أن ترى أم كلثوم المرأة القوية التى يخضع لها الجميع ويقع أسيرا لصوتها، أو ربما يصبح أسيرا لها كرجل مثلما رأينا الملحن الكبير محمد القصبجى، الذى كانت ترفض كل ألحانه بعد رائعة (رق الحبيب)، وارتضى أن يجلس وراءها عازفا على العود، بينما تُغنى هى من تلحين أصغر تلاميذه بليغ حمدى، كذلك رأينا أحمد رامى الذى كتب لها (عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك)، جزء كبير من الأشعار العاطفية، رسائل منه إليها، فهو الذليل الذى ينحنى فى محراب المعبودة.

عند إعلان خطبة الموسيقار محمود الشريف رسميا إلى أم كلثوم عام 1946، استقل رامى القطار المتجه إلى بيتها وهو يرتدى البيجامة ولم يعلم إلا قبل النزول بمحطة فعاد إلى منزله باكيا، بينما ذهب القصبجى فعلا إلى فيلتها وصعد للطابق الثانى، ووجدها مع الشريف وأخفى المسدس خلف ظهره، قالت له أم كلثوم (إيه إللى معاك ده يا قصب؟) ووقع المسدس والتقطه الشريف وحرر محضرا متهما القصبجى بمحاولة قتله، لم يستمر الأمر سوى يوم أو اثنين، واضطر الشريف لسحب شكواه تقديرا لتاريخ القصبجى.

مرت أمس ذكرى الشريف، 28 عاما على الرحيل، كان لى فى بداية مشوارى الصحفى شرف الاقتراب من هذا العملاق، وزيارة أسبوعية لمنزله فى عمارة استراند بباب اللوق الدور التاسع شقة 4، هذا الملحن الفطرى السكندرى كانت كل مصر فى الأربعينيات والخمسينيات تردد ألحانه فور انطلاقها، كل الأصوات غنت له ما عدا (أم كلثوم)، والتى كانت هى الأقرب لأوتار عوده ونبضات قلبه، وثقت علاقة أم كلثوم بالشريف قبل أكثر من 15 عاما فى كتاب أطلقت عليه (أنا والعذاب وأم كلثوم) متكئا على الأحاديث التى خصنى بها، وأكد من خلالها الزواج العرفى قبلها بعامين، ولو تذكرتم آخر أفلامها (فاطمة) كان يدافع عن مشروعية هذا الزواج.

نرشح لك: جمال جبران يكتب: يوميات مواطن مصري في بيروت

سألت الشريف: هل أنت نادم أنك لم تلحن لأم كلثوم؟، أجابنى: لم يكن هذا هدفى، بقدر ما هو الجديد الذى أضيفه إليها، المسرح الغنائى هو حلمى الأثير، أحيا سيد درويش المسرح، بينما تلميذه وصديقى العزيز محمد عبد الوهاب، شيعه إلى مثواه الأخير، اتفقنا أنا وأم كلثوم أن نعيد إحياء المسرح، وبالفعل أطلقت عليه مسرح (ثومة) ورسمت على الورق ملامحه، ولم يكن يعنينى أن أنفرد بالتلحين، جاء الانفصال ليوقف كل شىء، حتى أغنية (شمس الأصيل) التى كان قد أجرى مع أم كلثوم بروفات معها على العود، ألقى بالشريط من شرفة منزله، محتفظا فقط بكلمات الأغنية بخط أم كلثوم، سألته عن رأيه فى اللحن الذى قدمه رياض السنباطى؟ أجابنى: قطعا رائع.

هل كانت أم كلثوم زعيمة فى حياتها الشخصية؟، قال الشريف: إطلاقا، وعندما سألها مصطفى أمين فى الحوار الذى نشره على صفحات (أخبار اليوم)، بعد إعلان الخطوبة، عن حقيقة استمرارها فى الغناء، أجابت بالحرف الواحد (الأمر لمحمود وما يريد)، بالطبع هذه الكلمات أثارت غضب الرأى العام الذى اكتشف فجأة أن صوت أم كلثوم ليس ملكية عامة، بل هناك رجل واحد من الممكن أن يقول لها نكتفى بهذا القدر فتكتفى، وتمسكت الملايين بالصورة الذهنية لأم كلثوم المرأة والفنانة صاحبة القرار الأول والأخير، ودفع الشريف الثمن وكتب مصطفى أمين بعدها مقال (جنازة حب).

أراد لها أن تُصبح صوتا على خريطة أنغامه، لا أن يُصبح هو مجرد لحن على خريطتها، منحته تفويضا فى أن يتخذ قرارها، وأسقطت الملايين هذا التفويض، سألته: عندما تراها فى عالم الخلود ماذا تقول لها؟.. قال: سأعاتبها بسبب المسرح الغنائى، وستقول لى: عندك حق يا محمود!!.