طارق الشناوي يكتب: «القاهرة» أم «الجونة».. «أشباح إسماعيل أم أشباح الإرهاب»؟!

نقلًا عن “المصري اليوم”

بمجرد وصولك إلى مطار «نيس»، تلك المدينة الصناعية الكبرى فى فرنسا التى تقع على بعد 40 دقيقة بالسيارة من «كان»، ستلاحظ من بين 6 لغات مكتوب بها «أهلا وسهلا بك فى نيس» أن العربية واحدة منها.. بدهى أن يأتى الترحيب بالفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية والإسبانية أو الصينية، ولا يثير تساؤلا، ولكن إضافة اللغة العربية فى هذا التوقيت يحمل رسالة واضحة، عن توجه فكرى تريد الدولة الفرنسية له أن ينتشر منذ الوهلة الأولى لوصول أى عربى وأيضا مسلم إلى «نيس»، بأن الحادث الإجرامى الذى روّع العالم فى تلك المدينة الساحرة لا يعنى إدانة دينية أو عرقية أو جغرافية للجميع، وأن السفاح بجذوره العربية الذى دهس العشرات من الأبرياء بتلك الشاحنة لا يعنى أن كل من له جذور عربية غير مرحب به، تلك هى قراءتى لدلالة «أهلا وسهلا» فى هذا التوقيت.

لا يمكن أن نقلل من حجم الخوف الذى صار يشكل فى العالم كله ملمحا رئيسيا فى كل توجهاته، حتى الثقافية منها، ولكن أيضا المواجهة بعنصرية، والتى تعنى إقصاء الآخر لمجرد كونه مسلما أو عربيا، ستؤدى مع الزمن إلى زيادة مساحة التطرف والعنف.. المظلة الإنسانية تتسع للجميع وبلا تفرقة، كلنا نلاحظ وندرك كم التخوف الذى دفع بالأمن لمزيد من التشدد.. ارتفعت حدة تلك الإجراءات فى «كان»، لو قارنتها مثلا بمهرجان «برلين»، الذى يماثله فى الأهمية وأيضا التخوف، إلا أن الأمر أقل كثيرا فى «برلين» فى طريقة التعامل الأمنى مع الصحفيين والإعلاميين، لديكم مثلا فى الماضى كان من الممكن أن تدخل لدار العرض بزجاجة ماء أو تفاحة فى الحقيبة، الآن تتم مصادرة كل شىء خارج عن الورق واللاب توب والمحمول بالطبع بعد الكشف الدقيق عليها، زيادة حدة تلك التفاصيل التى تعنى لكل من يتواجد فى جنبات المهرجان إضاعة مضاعفة للوقت الذى هو أثمن وأندر ما تمتلكه فى «كان»، حيث تتعدد الأفلام والأحداث، بينما الناقد يقف فى طابور يزداد طوله فى كل لحظة حتى يحصل على إشارة خضراء بالدخول، إلا أن «أهلا وسهلا بكم فى نيس» حفرت بداخل كل عربى وهو فى طريقه للمهرجان إحساسا رائعا.

بعد لحظات من كتابة هذا المقال سيبدأ العرض الصحفى الذى يسبق العرض الرسمى لفيلم افتتاح مهرجان «كان» فى تلك الدورة الاستثنائية بحكم دلالات رقم «70»، الفيلم عنوانه «أشباح إسماعيل» للمخرج أرنو ديبلشان الذى يقدم حكاية مخرج ينوى تقديم فيلم عن علاقة حب انتهت قبل 26 عاما، يؤدى دوره ماثيو المريك.. طبعا، البطولة لماريون كوتيار، وبعيدا عما تردد بأن إدارة المهرجان أرادت باختيار فيلم الافتتاح أن تعتذر للمخرج بطريقة غير مباشرة لرفضها فيلمه قبل عامين «أيامى الذهبية» فى «كان»، الذى حصد بعدها جائزة أفضل فيلم فرنسى فى «سيزار» المسابقة الأهم هناك، فإننى لا أتصور أن الدافع هو إرضاء المخرج، فتلك تبدو كأنها تنويعة عربية فى معالجة مثل هذه الأمور، ولكن المفروض أن الفيلم كقيمة وتواجد نجمة بحجم كوتيار هما الدافع الرئيسى للاختيار، وبالطبع الحكم بعد المشاهدة.

****

فى المهرجان وقبل أن تبدأ تلك الفعاليات، كانت لنا فى الصحافة المصرية بل العربية وقفة تحمل قدرا كبيرا من التوجس حول مهرجان «الجونة» وانعكاسه على فعاليات مهرجان «القاهرة»، الذى يعقد بعده بنحو شهرين، «الجونة» 22 سبتمبر والقاهرة 21 نوفمبر، المساحة الجغرافية التى يتوجه المهرجان الوليد نحوها عالمية، وبهذا سيحدث لا محالة التنافس، إلا أن مفهوم التنافس لا يعنى أبدا التناقض.

المهرجان الذى يقام بدعم من الشقيقين نجيب وسميح ساويرس، حيث يتصدران المشروع مع عدد من رجال الأعمال فى مدينة الجونة، له بالتأكيد أهدافه الثقافية، وبالطبع التسويقية والسياحية، ويبقى أننا يجب أن نرحب بانطلاق مهرجان وبرأسمال مصرى، فهو يعد الأضخم مصريا، أتحدث طبعا عن الميزانية، حيث وصلت إلى سبعة أضعاف مهرجان «القاهرة»، ولكن لو قورنت مثلا بمهرجانى «دبى» أو «مراكش» ستكتشف أنها لا تتجاوز 20%، من الرائع أن يشعر رجال الأعمال فى مصر بأهمية الدعم الثقافى، ويظل الأهم هو تلك الرؤية التى يحملها المهرجان، الشعار هو «سينما من أجل الإنسانية»، وستلمح دائما ثلاثة وجوه تتواجد بكثرة فى المهرجانات العالمية والعربية، وهم: الفنانة بشرى، والمخرج أمير رمسيس، والباحث والمحلل السينمائى وخبير المهرجانات انتشال التميمى، لأنهم من المؤسسين لهذا المهرجان، يتواجدون للبحث عن الفيلم الأجمل والفكرة الأجمل، تعامل أغلب الزملاء مع بشرى وأمير بكل ترحاب وسعادة، وتوقف البعض أمام اسم انتشال التميمى، فهو عراقى الجنسية.. والسؤال الذى تردد ولايزال: «لماذا عراقى فى مهرجان مصرى؟».. وكانت إجابتى أن هند صبرى عندما تم ترشيحها لجائزة مهرجان القاهرة فى الدورة القادمة «فاتن حمامة للتميز» لم ندر فى اللجنة العليا هل هى جائزة لفنانة مصرية أم لفنانة تونسية؟ طبعا، تعتز هند بجنسيتها التونسية رغم أن زواجها وأطفالها مصريون، وإقامتها والقسط الأكبر من أفلامها بالضرورة مصرية، ولكننا فى المهرجان لم يكن يعنينا التوصيف مصريا أم تونسيا أم عربيا، هى فى النهاية فنانة تستحق، وبنفس المقياس تم اختيار انتشال لأنه الأوفق من وجهة نظر القائمين على المهرجان، ولم يكن فى المعادلة جنسيته ولكن كفاءته، لم يسأل أحد: هل «انتشال» عراقى أم سورى، سنى أم شيعى؟

المهرجان حدد يوم 21 الجارى لإعلان تفاصيله فى حفل يقام فى «كان»، ستحرص على أن تلبى دعوة الحضور رئيسة مهرجان القاهرة الباحثة د. ماجدة واصف، وأيضا الإعلامى والناقد الكبير يوسف شريف رزق الله، المدير الفنى للمهرجان، لا يوجد تعارض، ولكن تنافس مشروع بل مطلوب.. مهرجان القاهرة فى طريقه لكى يكمل العام القادم أربعين دورة، انطلق 1976 وكان من المنتظر أن تصبح 43 ولكن سقطت ثلاث دورات: الأولى عام 80، والاثنتان فى 2011 بسبب التخوف الأمنى بعد الثورة، وفى 2013.

يعانى المهرجان ولايزال من ضيق ذات اليد، خاصة بعد تعويم الجنيه، كما أنه يبدو أنه لا توجد لدى الدولة ما يدفعها لكى تُقيل المهرجان من عثرته، حتى إقامة جناح فى مهرجان «كان» لم تتمكن البيروقراطية المتأصلة فى وزارة الثقافة من تنفيذه، لأن توقيع الأوراق يحتاج إلى مزيد من الوقت، فلم تجد إدارة المهرجان سوى الإعلان عن عدم إقامة جناح على شاطئ «الريفيرا» مثل كل المهرجانات.

يجب على الدولة أن تدعم مهرجانها الرائد «القاهرة»، ليشرق ويحتل مساحته اللائقة بين مهرجانات الدنيا، وهى أيضا عليها أن تسعد بأن فى «الجونة» مهرجانا شابا يحلم بتحقيق رسالة ثقافية وسياسية وسياحية تقول للعالم كله: «أهلا وسهلا» وبمختلف اللغات، كما قرأتها بالعربية فى «نيس»!!.