صلاح الدين الأيوبي بين الفارس النبيل والوغد الدموي

فارس نبيل، رقيق المشاعر، يسارع للعفو عند المقدرة والتجاوز عند التمكن من خصمه، يشتهر بذلك بين أعداءه قبل أصدقاءه فيحمل الغزاة الفرنجة معهم في عودتهم إلى ديارهم أخباره وقصصه الأسطورية..
هكذا قدم لنا المخرج يوسف شاهين شخصية صلاح الدين الأيوبي في فيلمه “الناصر صلاح الدين”

وغد دموي، “واحد من أحقر الشخصيات في تاريخ الإنسانية”، لم يتورع-عند تمكنه من حكم مصر-عن ارتكاب جريمة نكراء هي عزل ذكور الفاطميين عن إناثهم حتى لا يتناسلوا ويفنى النسل الفاطمي، كما قام بإحراق المكتبة الفاطمية بما فيها من مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات..
وهكذا قدمه لنا الكاتب الدكتور يوسف زيدان في لقاءه مع الإعلامي عمرو أديب

فمن هو حقًا صلاح الدين الأيوبي؟

***

مبدئيًا فلنتفق أن الدراما لا تصلح كمصدر للحقائق التاريخية، فمع الاحترام لصنّاعها، فإن كل من المؤلف والسيناريست والمخرج يسعى لتقديم “صورة درامية جميلة” بغض النظر عن مدى تطابقها مع الواقع التاريخي، وهو أمر لا يعيب الفن الذي يُفتَرَض في المتابع له أن يدرك الفرق بينه من ناحية والتاريخ الحقيقي من ناحية أخرى، فوفقًا لمقولة منسوبة للكاتب الفرنسي ألكساندر دوما “لا بأس أن تعتدي على التاريخ بشرط أن ينجب منك طفلًا جميلًا”

من هذا المنطلق تحرر يوسف شاهين من “التطابُق التاريخي” في فيلمه سالف الذكر، فقدّم عالمًا من الفرسان الذين جمعتهم مباديء الفروسية النبيلة وفرقتهم وجهات النظر السياسية والدينية، وهو الأمر الذي يختلف مع الواقع الذي يقول أن ريتشار قلب الأسد-مثلًا-لم يكن ذلك التقي الورع الوقور بل كان شابًا أهوج شديد الاندفاع معروف بالشهوانية والبذاءة والتطاول حتى على المقدسات في حضور رجال الكنيسة، بينما كان فيليب أغسطس-ملك فرنسا-على النقيض منه تقيًا متقشفًا شديد الور، ومشهد إعدام الأسرى المسلمين لم يكن نتيجة خديعة بحق ريتشارد بل تم بأمره توفيرًا لمجهود حراستهم وتكاليف إطعامهم، أما الأسبتاريون (فرسان القديس يوحنا) فكانوا رهبانًا خشنو المظهر وبالتأكيد لم تكن قيادتهم بيد إمرأة! فضلًا عن أن صلاح الدين لم يعتمد سياسة العفو عن أعداءه على طول الخط فقد كان يسارع لإعدام الأسرى المنتمون للتنظيمات الرهبانية المسلحة كفرسان المعبد أو فرسان القديس يوحنا، وأخيرًا فإن  رينو دو شاتيون لم يُقتَل في مبارزة كالتي قدمها شاهين وإنما ضربه صلاح الدين بسلاحه ثم أجهز الحرس عليه.. كل هذه الاختلافات لا تنتقص من العمل في شيء سواء كانت تعبر عن وجهة نظر صناعه في الناحية الإنسانية من صلاح الدين الحقيقي أم أنها اقتصرت على مجرد “قصة جذابة وسيناريو ملائم”، كون أن البعض قد اعتبروها معبرة عن الواقع فهي مشكلتهم وليست مشكلة صناع الفيلم!

***

في المقابل فإن دكتور يوسف زيدان قد هاجم صلاح الدين بضراوة عابها البعض عليه خاصة مع استخدامه وصف “أحقر الشخصيات”..

دعونا نتفق أن توصيف التاريخ كأحد “العلوم الإنسانية” وأن “الإنسان” هو موضوعه الرئيسي يعني أن الاتفاق الكامل بشأن هذا الشخص التاريخي أو ذاك هو من المستحيلات..

دعونا نتفق كذلك أن التعامل مع الشخصيات التاريخية البارزة باعتبارها “رموزًا لا تُمَس” هو أمر مضر بالموضوعية العلمية للتاريخ..
وأخيرًا فلنتفق أن اختصار الشخص التاريخي في واقعة أو موقف، وكذلك فصل تصرفاته عن ظروفها وملابساتها هو مخالفة للمنهج العلمي في تقييم وتحليل الأشخاص والأحداث..

أي أن الدكتور زيدان مخطيء من ناحية، ومن هاجموه من منطق “تحصين الرمز” مخطئون من ناحية أخرى..

***

أما عن خطأ دكتور يوسف زيدان فهو أنه قد اختصر رجلًا تولى مهامًا عسكرية ثم وزارية ثم تولى السلطنة نفسها في مصر والشام لمدة ربع قرن، في واقعتا “تدمير المكتبة الفاطمية” و”عزل ذكور وإناث الفاطميين” (وهما واقعتان مثبتتان في كتب المؤرخين)، فلو سرنا على هذا المنهج فهل نغفل كل أعمال الإسكندر المقدوني ونختصره في مذبحته بحق مدينة “صور” الفينيقية؟ هل نضرب بعرض الحائط إنجازات تحتمس الثالث ونركز على تدميره ذِكر الملكة حتشبسوت؟ وقائمة الأمثلة تطول..  لماذا لا يراعي دكتور يوسف زيدان أنه يتناول “قائد عسكري وحاكم دولة” وأن هذه الفئة بالذات من الشخصيات التاريخية هي صاحبة التاريخ الأكثر ازدحامًا بالأعمال المتناقضة؟!

بالمناسبة، أنا اتفق مع دكتور زيدان في تصنيفه الأمران أنهما “جريمة”، وهو تصنيف لا تغيره الفوارق الزمنية، فأفعال مثل “القتل، التدمير، التخريب” لها نفس المكان في الموازين الأخلاقية الإنسانية عبر الزمن.. فقط أنا اختلف معه في اختصار صلاح الدين فيهما.. فضلًا عن اختلاف آخر بسيط بشأن مسألة “تدمير المكتبة الفاطمية”، فتلك الأخير التي كانت قد احتوت في بعض التقديرات نحو مليون وسبعمئة ألف كتاب، تعرضت للتخريب والنهب خلال فترة الشدة المستنصرية حيث نهبها جند الخليفة المستنصر-الذي حكم بين عاميّ 1036م و1094م-بحجة بيع محتوياتها لسداد رواتبهم وعاثوا فيها فسادًا إلى حد استخدام الأغلفة الجلدية للكتب كرقاع للنعال، بينما يقدّر المؤرخون عدد الكتب التي عثر عليها صلاح الدين عند جرد محتويات المكتبة سنة 1172م بنحو مئة وعشرون ألف كتاب فقط، باعها بأبخس الأثمان على الأرصفة ووهب منها نحو 2000 كتاب للقاضي الفاضل (يبرر البعض ذلك بأنها “كتب شيعية”، ولو تجاوزنا عن فكرة قبول تدمير الكتاب فقط لأنه ينتمي لمذهب مختلف فإن من العسير تصديق أن مكتبة كاملة بها آلاف الكتب لا تحتوي سوى على كتب الفقه الشيعي! وعلى أية حال فإن من العبث مناقشة أصحاب مدرسة: ما نفعله بغيرنا حلال فقط لأنه هو ولأننا نحن)

***

السؤال الآن: من هو حقًا صلاح الدين؟ هل هو الرجل الذي تنقل لنا كتابات المؤرخين-من العرب وغيرهم-مواقفه النبيلة مع الأسرى والمهزومين من أعداءه؟ أم هو ذلك الدموي المخرب الذي يحدثنا عنه دكتور يوسف زيدان؟

الإجابة: هو كلا منهما.. ولكننا كثيرًا ما نغفل قراءة الشخصية التاريخية كاملة ومراعاة تطورها عبر السنوات والخبرات والتجارب..
فصلاح الدين الذي-في العام 1172م- اعتقل 63 من أمراء الأسرة الفاطمية وعزل ذكورهم عن إناثهم حتى يفنوا تمامًا، والذي باع التراث الفاطمي المكتوب على الأرصفة حتى يندثر، من منطلق تعصبه للمذهب السنّي الشافعي الأشعري بالذات، هو نفس صلاح الدين الذي اشتهرخلال مواجهاته مع الغزاة الفرنجة-في العام 1187م وما بعده-بالنبل الشديد ورقي الأخلاق إلى حد إثارة إعجاب أعداءه.. فقط تفصل بينهما سنوات الخبرة و”حكمة العمر”، فصلاح الدين الأول كان شابًا في الثانية والثلاثين من عمره، حديث العهد بممارسة السياسة والحكم، وجد نفسه توًا في “جحر ثعابين” يتآمر كل منهم على الآخر، وهو إن كان قد أظهر مهارة وذكاءً في إدارة الأزمات إلا أنه كان عاطفيًا مندفعًا وهو ما يؤدي بطبيعة الحال لسرعة البطش وقسوة التصرف، بينما كان صلاح الدين الآخر رجلًا ناضجًا يحكم مملكة واسعة مر خلال السنوات بتجارب عركته وأكسبته طبيعة أكثر حكمة وتعقلًا..

***

بين “الرمز المحصن من النقد” و”النُصُب المرجوم بالحجارة” تضيع الموضوعية العلمية التاريخية، هذا ما أصاب شخصية صلاح الدين الأيوبي، وهو إن كان-على مستواه كشخص-لم يتضرر شخصيًا من هذا التناول غير الموضوعي لشخصيته بحكم رحيله عن العالم قبل قرون، فإن المهرولون وراء أصحاب الرمز المقدس أو رماة الحجارة هم الضارون بأنفسهم وبالعلم بل وبالأجيال القادمة التي إن استمر هذا الوضع ستفقد معنى القراءة الموضوعية للتاريخ!

  -تم-

مصادر:
-اتعاظ الحنفا بمعرفة الفاطميين الخلفا: المقريزي
-صلاح الدين الأيوبي بين الحقيقة والأسطورة: د.محمد مؤنس عوض
-بدائع الزهور في وقائع الدهور: ابن إياس
-النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ابن تغري بردي
-السلوك لمعرفة دول الملوك: المقريزي
-محاربون في سبيل الله: كارين أرمسترونج
-مصر في العصور الوسطى: ستانلي لين بول
-تاريخ الفاطميين: د.محمد سهيل طقوش
-تاريخ الأيوبيين: د.محمد سهيل طقوش
-الكامل في التاريخ: ابن الأثير
-تاريخ مصر في العصور الوسطى:د.محمود الحويري
-صلاح الدين الأيوبي: قدري قلعجي