الضيف أحمد.. "الأراجوز" في عيون محمود السعدني

سما جابر

لم يحالف القدر الفنان الراحل، الضيف أحمد لأن يترك تاريخ طويل مليء بعدد كبير من الأعمال الفنية، لكن وفاته المفاجئة التي جاءت صدمة للجميع وقتها، والعدد القليل من الأفلام والاسكتشات التي قدمها، وشهادة جمهوره وأصدقائه وكبار الكتاب عنه وعن الكوميديا الخاصة به، كانت كافية لتذكر “الضيف الخفيف” باستمرار بمناسبة وبدون مناسبة.

حياته القصيرة المليئة بالتفاصيل، وأعماله الباقية عبر كل الأزمان وفي أذهان كل الأجيال، جعلت شهادات أصدقائه حول فنه ومن عاصروا أعماله؛ متنوعة، لكن الشهادة الأبرز والوصف الأدق والأعظم للضيف، كان من خلال كلمات الساخر الراحل محمود السعدني في كتابه “المضحكون”، والذي قيّم فيه أداء الثلاثي، لكنه أثنى بشكل كبير على “الأراجوز” الضيف أحمد.

“أراجوز الجوق”.. هكذا وصفه “السعدني”، بعد وفاته في 16 أبريل 1970، في كتابه “المضحكون”، حيث يرى إن ما فعله الضيف برفقة زميليه سمير وجورج، كان تطورا لفكرة مسرح الشارع التي نجحوا بالخروج بها إلى التلفزيون والسينما والمسرح، لتعود فكرة مسرح الشارع بشكل أقوى مما كانت قبل ذلك.

 

المضحك والممثل وكداب الزفة.. كان هذا رأي السعدني في الثلاثي، حيث أجرى مقارنة بين كل منهم، والتي بدأها بالإشادة بالضيف وزميله جورج، وكيف نجح الأول “المضحك” في أن يكون مضحك الفرقة الحقيقي، فهو “الأراجوز” صاحب الشكل البسيط والأداء السهل الممتنع الذي يتسبب في إسعاد الجمهور وإثارة ضحكاتهم، أما الثاني جورج سيدهم “الممثل” الذي يراه ممثلًا صاحب موهبة نادرة، بينما الفنان سمير غانم، فوصفه بـ”كذاب الزفة” الذي لا يمكن وصفه بالمضحك أو بالممثل لكنه لا يمكن الاستغناء عنه!

لم يقتصر رأي محمود السعدني أو “الحمقري” –أي الحمار والعبقري- كما وصف نفسه في مقدمة كتابه، في الضيف أحمد بأن يصفه بـ”الأراجوز” والمضحك فقط، لكن شهادة السعدني ميزته أيضًا عن باقي أعضاء فرفة الثلاثي، فيقول إنه يمثل خليطًا بين الممثل والشاعر والسيناريست الإيطالي “طوطوه”، والفنان المصري حسن كامل والفنان محمد كمال المصري الشهير بـ”شرفنطح”، ليؤكد بشكل غير مباشر بأن من تجتمع فيه عبقرية وكوميدية وتفكير هؤلاء، يصبح أيضًا فنانًا شاملًا عبقريًا، أو يصبح “الضيف أحمد”.

استغرق “الحمقري” حديثه عن الضيف أحمد في وصف بنيانه الجسماني، وكيف استغل طبيعته وحجمه وجسده النحيل، وشكله “المنفّر” كرجل عادي، أشبه لـ”الأراجوز”، في أن يصبح كوميديانًا غير عاديًا، فقال عنه: “الضيف أحمد.. هو أراجوز الجوق، وهو بشكله وحجمه المضحك المختار، وكانت الطبيعة سخية معه فأعطته كل ما يجعل الرجل العادي منفرا، ويجعل الرجل المضحك محبوبا!، الحجم السفروت، والوجه المغضن المقلحف المعبر والبق المفشوخ كبوابة جهنم، والظهر المحدوب، والسيقان كأنها سيقان معزة المرحوم غاندي.. أراجوز لا شك، فإذا كان الأراجوز يتمتع بعقل، ومن تجربة الحياة استطاع أن يستخلص لنفسه ثقافة معينة وفهمًا محددًا، إذا حدث هذا العناق بين ما أعطته الطبيعة وما منحته التجربة كانت النتيجة فنًا عظيمًا تماما كما يتعانق النيل الأزرق والنيل الأبيض عند أم درمان، ليخرج من هذا العناق العظيم النيل الأعظم”.

يرى السعدني في كتابه “المضحكون” الذي قيّم فيه عدد من كوميديانات ذلك العصر حسب وجهة نظره، أنه ليس بالضرورة أن يكون كل من يساهم في رسم ضحكة على شفاه الناس، سعيد، بل أنه في الأصل رجل “بائس”، ليضيف: “لأنني حمقري كنت أرفع شعارًا حمقريًا (أنا أضحك إذن أنا سعيد)، وبعد فترة طويلة من الزمان، اكتشفت أن العكس هو الصحيح، واكتشفت أن كل رجل ضاحك رجل بائس، وأنه مقابل كل ضحكة تفرقع على لسانه تفرقع مأساة داخل أحشائه، وأنه مقابل كل ابتسامة ترتسم على شفتيه تنحدر دمعة داخل قلبه”.

ربما النهاية السريعة لحياة الضيف والتي تزامنت مع آخر مشهد قام بأدائه على خشبة المسرح من خلال مسرحية “الراجل اللي جوز مراته” حيث اقتضى المشهد أن يضع الحانوتي، الضيف في التابوت، لتحدث المفارقة ويتوفى الضيف بعد عدة ساعات من تمثيل المشهد، عن عمر ناهز 33 عامًا؛ كانت سببًا في اعتقاد البعض بأن حياته رغم ما احتوته من كوميديا وسعادة بثها في نفوس من يشاهدوه ومن حوله، إلا أنها كانت مليئة بالمآسي، حتى وإن لم تكن كذلك، فربما تحققت مقولة السعدني بأن “كل رجل ضاحك بائس”، لكن بشكل مختلف، ليس في تفاصيل حياة الضيف التي لا يعرفها الكثيرون، لكن بوفاته في عمره الصغير في أوج شهرته، وتنبؤه بمشهد موته في آخر وقوف له على خشبة المسرح، لتظل آخر ذكرياته مع جمهوره حزينة، على عكس ما قدمه لهم من سعادة على مدار سنوات قليلة من خلال فنه.