"أصوات مصرية".. 6 سنوات من البرلمان للنسيان

رباب طلعت

6 سنوات بدأت بحلم النهوض بالمجتمع، وتوعية الناخب بحقوقه، في أول انتخابات برلمانية بعد ثورة الـ25 من يناير، واستمرت بامتدادها لأرصفة وبيوت الشارع المصري، كشجرة وليدة مدت جذورها في قضايا المواطنين، لتثمر عن موقع “أصوات مصرية”، الذي يودعه المصريون منتصف مارس الجاري.

يرصد “إعلام دوت أورج” أبرز محطات “أصوات مصرية” التي ساهمت في تعلق القراء بها، منذ انطلاقها في أكتوبر 2011، إلى صدور قرار إغلاقها مارس 2017.

الانطلاقة

في أكتوبر 2011، في زهو ثورة الـ25 من يناير، واستعدادًا لأولى الخطوات الديمقراطية في مصر، ببدء التسجيل لانتخابات مجلس الشعب والرئاسة، أعلنت مؤسسة “تومسون رويترز” عن انطلاق مشروعها الذي يهدف لتقديم تغطية للانتخابات المصرية بأسلوب يراعي المعايير الدولية لوكالة “رويترز”، إيمانًا بحق المواطن بالإلمام بحقوقه الديمقراطية والتعرف على طريقة الانتخاب الأمثل، بتوفير ما يلزمه لاتخاذ قراره بناء على معطيات ووقائع حقيقية، وسيل من الأخبار والمتابعات اليومية لسير العملية الانتخابية، بكل ما يتعلق بها من خلال موقع “أصوات مصرية”.

أصوات مصرية ينشر أسماء مرشحي انتخابات مجلس الشعب

مسافة واحدة

حرصت “تومسون رويترز” على ضمان وقوف “أصوات مصرية” على مسافة واحدة من الجميع، تمسكًا بمبدأ الحياد، فمنعت احتواء الموقع على أية إعلانات تجارية، وجعله مجانيًا بشكل كُلي، لضمان وصول المعلومة للجميع وعدم تأثره بأهواء المعلنين أو رغباتهم السياسية.

الاستمرار

بعد النجاح الملحوظ، والمادة الصحفية المختلفة التي خرجت من عباءة “رويترز”، وشكلتها أيادي صحفيي “أصوات مصرية” المصريون، استطاع فريق عمل الموقع خلال أشهر قليلة أن يثبت أقدام منصته في عالم الصحافة، بل ويساهم في توسعته واستمراره لـ6 أعوام، أنتج فيها ما يزيد عن 80 ألف نص خبري وقصصي، وتقارير لها طابعها الخاص الذي جذب القارئ العربي والغربي المهتم بالشأن المصري، ليصبح مصدرًا موثوقًا ومحايدًا تلجأ له الوسائل الإعلامية العالمية، كصحيفة “نيويورك تايمز”، وقناة (CNN) الأمريكيتين، وتعرض محتواه على جمهورها.

الانتقال

قبل عامين وبعد نجاح “أصوات مصرية” في تحقيق طابعها الصحفي المصري المنفرد، أسندت وكالة “رويتز” مسئولية إدارة الموقع قانونيًا، لشركة “أصوات ديجتال سيرفس”، ونقلت أسهمها إلى الزملاء نجلاء العميري، وهاني شكر الله، وسلمى حسين، الذين أصبحوا المالكين الفعليين للموقع بالأوراق الرسمية المسجلة لدى الحكومة المصرية، فيما استعانت الشركة بأخرى تدعى “فرست” تولت مهمة استقدام العاملين قبل عامين تقريباً، بعد رفضها مقترح صحفيو “أصوات مصرية” بنقل ملكية المشروع لهم على غرار ما حدث في مشروع “أصوات العراق” الذي انطلق في العراق بعد الغزو الأمريكي، وأُغلق هو الآخر.
بالرغم من تلك الخطوة، إلا أن الموقع عانى فترة طويلة بعدها من ارتباط اسمه بالمؤسسة البريطانية، وعدم معرفة الكثيرين بخبر انفصاله عنها، إلى أن أطلق نسخته التصميمية المطورة، التي حملت ألوان علم مصر الثلاثة –الأبيض والأسود والأحمر- في 29 فبراير 2016، للتأكيد على استقلالية الموقع، وخروجه من عباءة “تومسون رويترز”، مع تمسكه بمعايير الصحافة الدولية من الدقة والحياد والموضوعية والفصل بين الخبر والرأي، التي التزم بها طيلة سنوات عمله.

المحتوى

منذ اللحظة الأولى لانطلاق “أصوات مصرية” وظهرت خلطة الموقع المختلفة، الذي نجحت إدارته في فصل الخبر عن الرأي، كواحد من أبرز أهدافه، ففي محطات انتقاله من التغطية المعلوماتية لانتخابات ما بعد ثورة الـ25 من يناير، إلى كونه واحدًا من المواقع الصحفية التي تبث قضايا المجتمع المصري من خلال قصص مصورة وتحقيقات استقصائية نال عدد منها على عدة جوائز عربية.
فـ”أصوات مصرية” نجح بالفعل في إثبات “مصرية” محتواه، بإلقاء الضوء على وجوه يمكن وصفها بـ”المنسية”، من خلال عدد من “البورتريهات” الصحفية، التي رسمها محررو الموقع لشخصيات من شريان المجتمع المصري، بمختلف أقطاره، كـ”زينب” من مرسى علم، و”أبو مشتاق” المصري العائد من العراق.

 (بورتريه) لأبرز الشخصيات على أصوات مصرية

ولم يغفل الموقع عن الوجوه المعروفة، وفن “البروفايل” الصحفي، الذي اقتنص لمسات إنسانية من حياة المشاهير، سواء اتفق الشارع المصري على محبته أو كرهه، فسياسية الحيادية، التي تبناها الموقع، تشمل حق الحديث عن الجميع، فكما كتب الموقع عن محمد حسنين هيكل، وسامح سيف اليزل في رحيلهما كتب عن شيمون بيريس.

محمد حسنين هيكل.. صاحب “الخريف” يعيش الربيع حتى اللحظة الأخيرة

شيمون بيريس: رحيل صاحب نوبل.. والسلام لا يزال حلما

المرأة ليست نصف المجتمع على “أوراق مصرية” فلم يتعامل معها الموقع منذ اللحظة الأولى التي خصص فيها ركنًا لها، على أنها المرأة القارئة التي تتصفح المواقع بحثًا عن آخر أخبار الموضة، أو أكلة جديدة تكسر بها روتين يومها، بل كانت “أم أحمد المكوجية” التي تبحث عن تأمين صحي لها، والريفيات المسافرات للمدن يوميًا بحثًا عن قوت يومهن، والعاملات اللاتي يرفضن لقب “خادمات”، والقاصرات المتزوجات غصبًا.

فيديو – أم أحمد..”مكوجية” تعمل في المعادى وتحلم بمعاش وتأمين صحى

ريفيات يرحلن يوميا إلى المدينة بحثا عن الرزق

عاملات يرفضن لقب “خادمة” ويبحثن عن الحماية القانونية

“زواج القاصرات” .. عشرات الحالات يوميا وقومي الطفولة يلاحق المتورطين

كذلك كان للوسائط المتعددة تواجدًا واضحًا، سواء كان بالصورة أو بالفيديو، ففريق عمل الموقع الذي دخل شوارع وأزقة وبيوت مصر بحثًا عن ما يؤرق المواطن المصري، ليعرف المشاهد عن ما يزعج “الحاجة عنايات” أحد سكان شارع أمير الجيوش، و “إبراهيم أبو جندي” الحرفي الذي يطور قطع الأثاث من الأدوات المهملة، وتتعايش مع حياة أسرة “شيماء العزبي” إحدى ساكنات جزيرة سيدنا الولي، آخر جزر بحيرة المنزلة، التي يعيش سكانها خارج التغطية الإعلامية.

الضوضاء واقع مر يعانيه سكان شارع “أمير الجيوش”

حرفي مصري يعيد تصنيع أدوات مهملة وخردة ويحولها لقطع أثاث مميزة

جزيرة سيدنا الولي.. 5 آلاف مصري خارج التغطية

الجوائز

كنتيجة منطقية لتتويج مجهود فريق عمل التجربة المصرية التي نجحت في اقتناص اهتمام القراء، حاز “أصوات مصرية” على عدد من الجوائز خلال مسيرته المهنية منها: المركز الثاني في مسابقة “منظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات” للتصوير الدولي، في إبريل 2016، التي فاز بها أحمد حامد، رئيس قسم المالتي ميديا، عن صورة التقطها في ختام حفل مهرجان سماع الدولي للموسيقى الروحية بقلعة صلاح الدين الأيوبي، والذي كسب أيضًا في يوليو 2016، في مسابقة “كلمات من التسامح” التي نظمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في إطار احتفالها باليوم العالمي للكتاب والمؤلف 23 أبريل، والصورة لرجل يقرأ القرآن بمسجد الطنبغا المارداني بمنطقة الدرب الأحمر بالقاهرة.

كما فاز سعادة عبد القادر، رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في أصوات مصرية بالجائزة الأولى مناصفة مع الصحفية التونسية نجوى إلهمامي لأفضل تحقيق عابر للحدود في المسابقة السنوية لشبكة أريج للصحافة الاستقصائية، في ديسمبر 2016، عن تحقيق “رأسًا على عقب”، والذي فاز أيضًا في 2015، بالجائزة الثانية في نفس المسابقة، وحققت مها البديني، المركز الأول في مسابقة سيمنس مصر السنوية للتميز الصحفي (فئة الطاقة) عن عام 2015 لـ”أصوات مصرية” ليصبح أول موقع انترنت يفوز بتلك الجائزة، عن تحقيق “التكسير الهيدروليكي تقنية تهدد المياه الجوفية”.

النهاية

لم يتخيل أحد أن تكون النهاية التي وصفها البعض بـ”المأسوية”، لقصة نجاح دامت 6 أعوام، وعطاء صحفي مهني، كلل مسيرة “أصوات مصرية”، بقرار مفاجئ و”صادم”، من إدارة مؤسسة “رويترز” بغلق المنصة الغنية بالقصص المصرية، في 15 مارس الجاري، بالرغم مساندة عدد من الصحفيين المصريين لفريق الموقع، ورفضهم لغلقه، وكذلك إدانة المرصد العربي لحرية الإعلام للقرار.

نرشح لك

التفاصيل الكاملة لإغلاق “أصوات مصرية”