يبدأ فيلم "ريد فلاج" من أسخن نقطة درامية ممكنة مستعرضًا عالمه الجذاب وغير المألوف بمزيج من الدفء والمرح الحركي، ويغوص العمل في عمق هذه الأجواء حتى تتصاعد وتيرة الأحداث على نحو متسارع وتتوالى الأزمات فوق رأس البطل أزمة تلو الأخرى. بداية تبدو مبشرة وخفيفة على القلب والعين.
يحيل عنوان ريد فلاج في أصله إلى الراية الحمراء التي تستخدم بوصفها إشارة تحذير من خطر أو مشكلة أو وضع غير طبيعي يستوجب الانتباه، قبل أن ينتقل المصطلح في تداوله المعاصر إلى العلاقات العاطفية، ليصف السلوكيات التي تنذر بعلاقة مؤذية أو غير صحية. ومن هذه الزاوية يبدو العنوان أكثر ذكاء من السيناريو نفسه، فالفيلم يحشد حول بطله عددا من الريد فلاجز المرتبطة بماضيه العاطفي وتعدد علاقاته وقدرته على المراوغة، لكنه يتعامل معها بوصفها مادة للمفارقات والالتباسات الكوميدية أكثر من كونها علامات تكشف خللا عميقا في الشخصية أو تهدد استمرار زواجه. والمفارقة أن الرايات الحمراء الحقيقية لا تظهر داخل العلاقة بقدر ما تظهر في بناء الفيلم ذاته: أزمة بلا خطر فعلي، معلومات لا تغير مسار الأحداث، وشخصيات تدخل الحكاية لتصنع ضجيجا مؤقتا ثم تخرج منها دون أن تفرض تحولا حقيقيا. وهكذا يصبح العنوان وعدا دراميا لا يفي به النص، لأن التحذير يفترض وجود خطر، بينما يرفع سيناريو أحمد حسني الراية الحمراء مرارا دون أن يكون خلفها شيء يستحق التوقف
كاميرا تعرف متى تتراجع
فيما يخص الإخراج، تتجلى نقطة القوة في بساطة المعالجة وابتعادها عن الافتعال الشكلي، حيث اعتمد المخرج محمود كريم مبدأ السهل الممتنع ولم تشكل حركة الكاميرا أو زوايا الالتقاط وأحجام اللقطات أي عبء بصري، بل وظفت بعناية لتوجيه عين المتلقي إلى صلب الحكاية دون تشتيت بحيل استعراضية مجانية.
أزمة بلا أنياب.. وحلول تبحث عن مشكلة
تكمن العلة الجوهرية للعمل في افتقاره لعقدة درامية كبرى ذات وزن، فالأزمة الرئيسية لا تنطوي على تهديد حقيقي أو ضرر جسيم يحيق بالبطل بالصورة التي يدعيها النص، إذ كانت الزوجة على دراية مسبقة بسجله العاطفي وماضيه، وكان احتواء الموقف برمته لا يتطلب سوى بضع جمل توضيحية يسيرة. السيناريو مع الأسف كان يجد الحلول أولا ثم يبحث لها عن مشكلة، عكس منطق الدراما فالسببب يتبعه النتيجة وليس العكس.
أما النقطة الإيجابية الأبرز فهي الإيقاع العام والأجواء السائدة، فعلى الرغم من أن الفيلم لم يطرح رؤية فكرية عميقة إلا أنه يمتلك تدفقا زمنيا لا يشعر المتلقي بالملل، مما يدرجه بجدارة تحت تصنيف الأعمال السوبر لايت، وتلك مفارقة لافتة في ظل هشاشة المعمار الدرامي، فالانطلاقة جاءت بتصاعد سلس لكن مسار الأحداث انحدر بشدة بداية من ظهور الشخصية التي أدتها نسرين أمين ليولد ما يشبه الذروة المضادة قبل اكتمال النصف الأول من الفيلم حتي، وصولا إلى حلول شكلية ونهاية مفتعلة.
وعلاوة على ذلك غابت المحاكمة المنطقية عن تتابع الأحداث، إذ تم حسم أعقد المسارات بأسهل الحلول وأكثرها سطحية، واستطالت بعض المشاهد بصورة ترهق المتابع رغم خفة الإيقاع، والأصل في الصنعة أن يقتحم الحوار لب الصراع وينتهي مباشرة عقب استيفاء المعنى وإثارة تساؤل للمشهد التالي، فالمشهد المجرد من وظيفته الدرامية هو عبث حقيقي، وهو ما وقع فيه الفيلم بتمديد حوارات مطولة لنقل معلومة وحيدة كان يكفيها اتصال هاتفي خاطف أو دمجها بمشهد آخر.
ممثلون ينعشون شخصيات ميتة دراميا
تفاوتت مستويات التجسيد عبر الشخصيات المركزية، فقد أدى أحمد حاتم شخصية نمطية للغاية وهي شخصية متعدد العلاقات العاطفية بمنتهى السلاسة وبأدوات تمثيلية مريحة، وقدم شريف منير دور الأب بحضور لافت ورشاقة وخفة ظل بالغة، بينما أثبتت انتصار كعادتها قدرتها الفائقة على التقمص وبث روحها في الشخصية بأصالة واقتدار.
في المقابل جاءت شخصية جميلة عوض شاحبة ومسطحة تفتقر للأبعاد اللونية والتأثير، ولم تمنح المتلقي إحساس البطولة المشتركة أو حيزا كافيا لتشريح طبيعة العلاقة الرابطة بينهما، بينما تركت الشخصيات المساندة أثرا محببا، وتحديدا ميمي جمال ونسرين أمين، فضلا عن سيف زاهر الذي برهن على قدرته في الانتقال من براح الفضاء الرقمي وصناعة المحتوى إلى شاشة السينما ليقتنص الضحكات بحضور سلس.
حين تضحك الموسيقى أعلى من المشهد
شكلت الموسيقى التصويرية أحد أكثر العناصر إرباكا في الفيلم، حيث فرضت طابعا يقترب من المسلسلات الكوميدية التلفزيونية ونمط السيت كوم عوضا عن البناء السينمائي المتماسك، فالموسيقى في غير الأعمال الاستعراضية تظل عنصرا تكميليا داعما لا يجوز أن يطغى على المشهد أو يتجاوز ثلث مساحته الشعورية، بينما أدى الإفراط في الاتكاء عليها هنا إلى أثر عكسي همش القيمة الدرامية للمواقف والمشاهد.
يبقى أن أقول أن الحملة الدعائية للفيلم عبر الفيديوهات والريلز التي كان يقدمها أحمد حاتم رفقة نسرين أمين كانت أفضل وأظرف من الفيلم نفسه. يظل فيلم ريد فلاج عملًا ترفيهيًا عابرًا ينجح في توفير تسلية سريعة وتوليفة أدائية متباينة، إلا أن هشاشة الدافع الدرامي وغياب الأزمة الضاغطة حالت دون ترسيخ أثره في الذاكرة بعد نزول تترات النهاية.