عماد أنور يكتب: المصريين أهم يا كابتن رضا

للمرة الثانية نجح حسام حسن مدرب منتخبنا المصري في رفع سقف طموحاتنا، قاد المنتخب لتحقيق "ريمونتادا" تاريخية، وحوّل هزيمته بهدف أمام نيوزيلندا إلى فوز بثلاثة أهداف مقابل هدف، وهو أول فوز لمنتخبنا في تاريخ مشاركاته في بطولة كأس العالم.

لعب المنتخب شوطين متضادين تماماً في ثاني مبارياته بدور المجموعات، جاء الشوط الأول عشوائياً، أما الثاني قدم فيه اللاعبون فاصل من المتعة الكروية الحقيقية، ولا يزال مفعول الحماس التي بثه المدرب في نفوس لاعبيه يأتي بثماره، ظهروا مثل خلية نحل تنتشر في كل مكان، خلية جنودها لا يعرفون الكسل ولا اليأس.

تبقى الجماهير هي سر الفوز، فقد لعب المنتخب مباراته على ملعب "فانكوفر" في كندا وكأنه يلعب على ستاد القاهرة، امتلأت المدرجات بالمصريين، لم يتخلوا عن التشجيع والمؤازرة طوال 90 دقيقة، لم تتوقف الهتافات والأغاني حتى وقت أن كان المنتخب متأخراً بهدف، وفي البيوت سهر الملايين حتى الصباح، يساندون اللاعبين في مهمة كروية صعبة، لا مجال فيها إلا للتشجيع والتخلي عن التنظير.

فوّت حسام حسن الفرصة على المنظرين وأولهم رضا عبد العال، نجم الزمالك والأهلي ومنتخب مصر السابق، الذي كان حتماً يشاهد المباراة وهو يبحث عن أي خطأ يعينه على استكمال مسيرته في الهجوم على مدرب المنتخب واللاعبين.

حسام حسن الوحيد في تاريخ مصر الذي شارك في كأس العالم لاعباً ومدرباً، والوحيد أيضاً الذي قاد المنتخب لتحقيق أول فوز في البطولة، أما رضا عبد العال، زميله في الملاعب، كان صاحب أكبر صفقة في تاريخ انتقالات كرة القدم المصرية في تسعينيات القرن الماضي.

لعب رضا للزمالك ستة مواسم متتالية بدأت عام 1988، تألق بشكل لافت وأصبح نجم الشباك الأول. فجأة، كادت حياته الكروية أن تنتهي بعد أن تعرض لأعمال السحر، على حد قوله، قال إنه في المباريات كان يرى كل لاعب من زملائه نسختين، ما يضعه في حيرة، إلى من سيمرر الكرة؟ إلى اللاعب الأصلي أم نسخته؟ تبرأ رضا من السحر، اكتشف أن إحدى سيدات عائلته أرادت أن توقعه في حب ابنتها ليتزوجها، فهو وقتها "عريس لقطة" يمتلك الشهرة والمال.

غادر اللاعب الزمالك إلى الأهلي عام 1993 في صفقة قلبت موازين الكرة المصرية، قيمتها 652 ألف جنيه، ظل حديث الصحافة لأكثر من شهر، ونجح في امتاع جماهير القطبين، أهداف مميزة، أسلوب متفرد في المراوغة، بطولات بالجملة، وهتاف مميز سجلته الجماهير باسمه وباق حتى الآن: "رضا يا رضا اتدلع يا رضا".

غادر المستطيل الأخضر وعمل في التدريب، وقتها بدأت الإخفاقات، خاصمته الأضواء وودعته الشهرة، أعتقد أن هو نفسه يتمنى أن تمحى من ذاكرته تلك الأيام التي جلس فيها على مقعد المدير الفني، وبرغم أنه لم يترك أي بصمة في عمله التدريبي، إلا انه لم يتخل عن "المقاوحة"، يوجه النقد اللاذع لأي لاعب مهما كانت إمكاناته، أما رأيه في المدربين فحدث ولا حرج، فالغالبية من وجهة نظره (معندهمش فكرة).

ترك رضا المستطيل الأخضر لاعباً ومدرباً، وحل ضيفاً على البرامج الرياضية، تلقائيته وعفويته جعلت البرامج تتسابق على استضافته. ليس هذا السبب الأوحد، فمسؤولي القنوات التلفزيونية يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولا يوجد أفضل من "مقاوحة" رضا كفقرة للتسلية تستقطب الجماهير وتغري المعلنين. أما هو، كان يجيد في الأداء من حلقة إلى أخرى، ينتقد لاعب ويسخر من آخر ويسب ثالث بألفاظ مستترة، أما "يوتيوب" كان بالنسبة له مساحة أكثر براحاً للسب والسخرية، دون أن يسلم منه أحد.

كان حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر آخر من طالتهم انتقادات رضا، خرج الأخير عن المألوف وعن قواعد النقد الفني إلى التجاوز غير المقبول، فعلها بداعي حب مصر، ارتفع بداخله مؤشر الوطنية أفقده السيطرة على هدوءه وأهان مدرب يؤدي مهمة وطنية مع منتخب بلاده.

من المؤكد أن حسام حسن أو أي مدرب غيره ليس فوق النقد، لكن مهما كانت اختياراته غير موفقة، أو أن طريقة لعبه لا تروق للبعض، علينا جميعاً أن نجلس في مقاعد الجماهير ونؤازر منتخب بلادنا، ويكفي أن المدرب أعاد إلى اللاعبين روح الحماس، وانتشل الجماهير من حالة اللامبالاة التي أصابتها منذ فترة ليست بالقليلة.

كالعادة، لا يجيد كابتن رضا اختيار الوقت المناسب، ولا مرت عليه مقولة (لكل مقام مقال)، هو فقط يفعل ما يشاء وقتما يشاء، والنتيجة هي أن حسام حسن كلف محاميه بتقديم شكوى ضده إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي بدوره يتولى التحقيق في ملابسات الواقعة. الحقيقة أن مدرب المنتخب أخطأ في الالتفات إلى مثل هذه الصغائر.

الآن، لا وقت لما يفعله رضا أو غيره في الأستوديوهات التحليلية، لا وقت للتنظير أو ادعاء الحيادية، دعونا نفرح بمنتخبنا وتخلوا ولو لأيام قليلة عن الجري وراء "الترند".

ما علينا! لا أدري حين أعلن الحكم صافرة نهاية مباراة مصر ونيوزلندا، قفز إلى رأسي مشهد من فيلم "العار"، تخيلت رضا عبدالعال متردياً جلبابه الفضفاض، يتجول في منزله وقد أصيب بالذهول بعد أن أفسد إنجاز حسام حسن بضاعته الإعلامية التي يستعد لعرضها داخل الأستوديوهات التحليلية في اليوم التالي للمباراة، تخيلته يخاطب من حوله ويهز رأسه مؤدياً حركة الراحل نور الشريف، ويقول لمن حوله: "شقا عمري ضاع"، يصيح في أحدهم: "انزل معايا الملاحة" في حين يكتفي الأخير بالرقص مردداً أغنية "الملاحة الملاحة".