عماد أنور يكتب: الدوري أحلى ولا الكونفدرالية؟.. التمر حنة

"الورد أحلى واللا الفل؟" سألت نعيمة عاكف رشدي أباظة بدلال، فأجاب: "التمر حنة".


 سألت ثانية:" الفل أحلى واللا الياسمين؟" كرر نفس الإجابة. هزت كتفها وزادت جرعة الدلال وسألت مرة ثالثة: "الياسمين أحلى واللا القرنفل؟"، لكن إجابته لم تتغير.

أسئلة ألقتها نعيمة عاكف على حبيبها رشدي أباظة ضمن أحداث فيلم تمر حنة "1957"، كانت بين الحين والآخر تطمئن أن حبه ثابت لم يتغير، وكانت إجابته في كل مرة تأتي قاطعة بأن التمر حنة "اسم حبيبته" أحلى من الورد والفل والياسمين والقرنفل.

بالصيغة نفسها فقد فرض سؤال واحد نفسه على الموسم الكروي في مصر. وهو "الكونفدرالية أفضل أم الدوري؟" سؤال في غير محله يقارن بين بطولتين إحداهما قارية والأخرى محلية. حالة مناكفة صنعها جماهير الأهلي والزمالك، وقادهم بعض اللاعبين السابقين للفريقين، أما الإجابة تأتي دائماً على حسب الأهواء.

موسم لا يعلم به إلا الله. والله وحده يعلم إلى أين سيأخذنا التعصب والمشاحنات التي زادت عن حدها، أفعال غير مسؤولة تخرج من نجوم سابقين ومسؤولين وإعلاميين وكأنها الشرط الوحيد للظهور على بعض الشاشات، والوسيلة الأفضل للفت الأنظار وحصد علامات الاعجاب على مواقع التواصل.

عندما صعد الزمالك إلى نهائي الكونفدرالية الأفريقية، تغنى محبوه باقتراب تحقيق الإنجاز والتتويج باللقب، في حين حاول جمهور الأهلي التقليل من البطولة، خصوصاً وأن فريقهم يحمل رقماً قياسياً في عدد مرات الفوز بدوري الأبطال، البطولة الأكبر في القارة السمراء، برصيد 12 مرة، أما عندما فشل الزمالك في الكونفدرالية ثم صالح جماهيره بلقب الدوري، تبدّل الحال وأكد غالبية "الزملكاوية" أن الدوري هو البطولة الأهم.

بعض التصرفات يمكن أن نتغاضى عنها إذا خرجت من صبية مشجعين، لكنها عندما تخرج من نجوم سابقين ومسؤولين وإعلاميين، فإن الحساب لابد أن يتضاعف، فقد تفنن هؤلاء في إفساد الأجواء وزرع التعصب في واحد من أكثر مواسم الدوري إثارة، حيث ظل التنافس على اللقب حتى الجولة الأخيرة من عمر المسابقة، وفي قاع الجدول اشتد الصراع سعياً للهروب من شبح الهبوط.

بعد فوز الزمالك بالدوري، ترك نجوم الكرة الحديث عن الفنيات والتباهي بموسم استثنائي، وتفرغوا لتأجيج الفتنة بين جماهير الناديين، أما مواقع التواصل تحوّلت إلى منصات للسباب.

طوال الموسم كانت هناك مقدمات تؤكد الوصول إلى ذروة التعصب، فقد سخر كل فريق آلته الإعلامية والجماهيرية، لإدعاء المظلومية والتشكيك في ذمم الحكام والمسؤولين، إذا خسر الأهلي يكون الزمالك فريق الدولة، وإذا خسر الزمالك فالأهلي هو نادي الدولة وأقوى من اتحاد الكرة ورابطة الأندية.

في موسم استثنائي خسر الجميع ولم يكن هناك فائز، وكانت مباراتي الأهلي والزمالك أمام فريق سيراميكا كليوباترا عامل مشترك في الكثير من الهراء الإعلامي، فقد أقام الأهلي الدنيا ولم يقعدها عندما اخطأ الحكم محمود وفا في احتساب ركلة جزاء صحيحه لصالحه، وكأن هذه المباراة هي السبب في خسارته للقب المحلي، في موسم لم يقدم فيه الفريق الأداء المأمول محلياً وقارياً.

وفي مباراة الزمالك أمام سيراميكا كليوباترا، وهي مباراة تتويج الأبيض، أكد "الأهلاوية" أن أحمد بلحاج قبل تسديد ركلة جزاء أرسل "غمزة" إلى محمد عواد حارس الزمالك. لم يقصد بلحاج التحرش بعواد، لكنها كانت إشارة إلى الجهة التي سيسدد فيها الكرة كي يتمكن الحارس من التصدي لها.

فاز الزمالك بالدوري، وخرج رئيس النادي السابق عمرو الجنايني، يؤكد أن الله أراد للفريق الفوز ولو كره الكافرين. نعم هكذا قال رئيس اتحاد الكرة السابق. بعدها بدأت مباراة أخرى في المكايدة، فقد هاجم طارق السيد، نجم الزمالك السابق، أحمد بلال مهاجم الأهلي السابق بكلمات لا ترتقي للظهور على الشاشة أو أي وسيلة إعلامية أخرى.

على الجانب الآخر، زادت مجلة الأهلي الطين بلة، وخرجت علينا بغلاف أعتبره الكثيرون سقطة إعلامية لا تليق بناد كبير وعريق، فقد حمل الغلاف عبارات تسخر من الزمالك وتقلل من فوزه بالدوري الذي أطلقت عليه المجلة لقب "دوري وفا" في إشارة إلى الحكم محمود وفا.

الغريب أن كل فريق يجند متخصصين في التبرير يعملون لحسابه، يشعلون مواقع التواصل ويدعون الجماهير أن "تبلع الزلط" لفريقهم، أو أن تلقي هذا الزلط في وجه جمهور المنافس.

يجب أن تتوقف هذه المهازل ونضع الكرة في حجمها، فلا توجد بطولة في العالم حكر على فريق بعينه، فلا الدوري حصري للأهلي ولا الكونفدرالية سُجلت باسم الزمالك، الكرة مجرد لعبة تدعو للتنافس بروح رياضية، لكن ربما هناك لقطة واحدة نختم بها هذا الموسم الكروي السينمائي. بحُكم أكل العيش، قد يخرج علينا أحد مدعي الانتماء من أي الفريقين عبر مقطع فيديو، يظهر خلاله وقد تعرى نصف جسده العلوي ليظهر وشم رسمه على صدره لبطولته المفضلة، لكنه بعد خسارة فريقه، جاء بمتخصص ليزيل الوشم مستخدماً مادة حارقة، في حين تدخل الكاميرا "كلوز" على وجهه وهو يتألم، وفي الخلفية يأتينا صوت الراحلة فايزة أحمد بأغنية "قلبي عليك يا خي"، لنتذكر مجدداً الفنان رشدي أباظة في "تمر حنة".