الفرنساوي.. حين يتحول القانون إلى أداة للصراع

مينا محب

هناك إشكالية جدلية صاحبت التاريخ طويلًا: هل القانون يحقق العدالة، أم أن للقانون وجوهًا أخرى؟ فالإنسان، منذ بدايات الحضارة، سعى إلى وضع أنظمة وتشريعات تنظم العلاقات وتحفظ الحقوق، حتى لا تتحول الأرض إلى غابة تسودها الفوضى والهمجية.

وأصبحت القوانين تقوم على مبدأ أنه لا فرق بين غني وفقير، وأن العدالة ينبغي أن تسري على الجميع بلا استثناء.

ومع الوقت، أصبح القانون هو من يقود العالم ويحكم البشر. ووفقًا لتطور الحياة والأزمات والصراعات الإنسانية، تعقّد الواقع وأصبحت العدالة نسبية، ولم تعد الحقيقة دائمًا واضحة، لذلك ظهرت أعمال درامية كثيرة تناولت الصدام القائم بين القانون والعدالة.

آخرها مسلسل "الفرنساوي" الذي تقوم فكرته على تفكيك تلك العلاقة بين كفتي الميزان، إذ لا تبدو النصوص القانونية ضمانًا مطلقًا للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقًا لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء.

وللدلالة الرمزية، ولفتح آفاق المتلقي حول طبيعة ما يطرحه المسلسل، وما يأخذه إليه من رحلة مليئة بالتساؤلات حول دور القانون وحدود تطبيق العدالة، يبدأ العمل بالعبارة الخالدة للعظيم وحيد حامد: "القانون زي ما بيخدم الحق بيخدم الباطل".

البناء السردي والحبكة:

يُعد مسلسل "الفرنساوي" مختلفًا عمّا نشاهده اليوم في الدراما العربية، إذ يعتمد بناؤه على أفكار عاطفية ثقيلة واقعية جدًا، تُعرض بإيقاع سريع، ورغم ذلك لم يفقد تماسكه في توظيف كل مشهد لخدمة الحدث.

فحبكة النص قوية، تخلو من القفزات السريعة أو أي تشوش قد يربك المشاهد أثناء متابعة الأحداث.

والسيناريو هنا يتعامل مع خطين سرديين متداخلين، الأول هو مقتل حبيبته، والثاني هو تفكيك ماضي البطل، حيث تتحول ذكريات خالد المتعلقة بمقتل أمه إلى أدوات تفسير نفسي لسلوكه، ما يجعل الحاضر امتدادًا مضطربًا لتراكمات الماضي. وهذه كلها مفاتيح نفسية تبرر للبطل ما سوف يفعله خلال المسار الدرامي.

وتقوم الكتابة على مبدأ الاعتماد على المفاجآت والصدمات السردية، وتستخدم قضية القتل كمدخل لصراع أكبر حول معنى العدالة، وكيف يمكن للمحامي نفسه أن يتحول من مدافع عن القانون إلى ضحية له، في عالم تصبح فيه الحقيقة نفسها خاضعة للتأويل القانوني.

كما تتشابك هنا القضايا والمصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول "صانع الحلول" خالد مشير إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة. ومن خلال شخصية الديب المرتبطة بالخط السردي الخاص بمقتل أم خالد، يطرح المسلسل توازيًا حادًا بين السلطة الرسمية ممثلة في القانون والشرطة، وعالم الديب الذي يمثل منطق القوة والحلول خارج إطار القانون.

الشخصيات وبنية الصراع:

يستمد مسلسل "الفرنساوي" قوته الدرامية من شخصياته المعقدة والمتعددة الأبعاد، التي لا تقف عند حدود الخير والشر التقليدية، بل تتحرك وفقًا لدوافع واضحة، لتدفع الحبكة إلى الأمام وتخدم فكرة الصراع الأساسي.

وفي المقدمة يقف خالد مشير (الفرنساوي) كمحور درامي رئيسي، فهو ليس مجرد محامٍ ناجح، بل يمثل الفكرة المركزية للمسلسل: الرجل الذي يؤمن بالثغرات القانونية أكثر من إيمانه بالعدالة المطلقة.

أما الديب، فهو أحد أعمدة العمل في تصاعد الأحداث، يمثل رجل الظل الذي يتحرك في العتمة كخفافيش الليل، يقتنص الحلول السريعة بقوة وغموض خارج القانون، ويشكل درعًا يحمي البطل من الأخطار.

بينما يُجسد يوسف قوة المال المتوحشة، حيث تتحول الثروة إلى سلطة عليا قادرة على تحريك القانون والسياسة، والضغط على الأنظمة أو كسرها متى تهددت مصالحها.


وأيضًا نجد سليمان شوكت، الذي يُجسد المحامي البراجماتي الذي يخشى على مصالحه، في حين أن باقي الشخصيات الداعمة مثل سندس ومشيرة وليلى وعدلي ثابت، فتلعب أدوارًا وظيفية مهمة تدعم مسار السرد.

أما الأداء التمثيلي، فيظهر على النحو التالي:

قدم عمرو يوسف أداءً قويًا ومتدرجًا لشخصية خالد، خاصة في الانتقال من الشخص النرجسي صائد ثغرات القانون إلى حالة الانهيار النفسي التدريجي.

ويأتي جمال سليمان كأحد أبرز العناصر الجاذبة في العمل من خلال شخصية الديب، حيث نجحت خبرته في جعل صوته أداة تمنحه الهيبة والاحترام، كما برع في استغلال ملامحه ليضيف حول الشخصية هالة من الغموض والخطورة.

أما سامي الشيخ، فوظف برودة ملامحه في بناء شخصية بلا قلب أو عاطفة، وجسد بدقة قلقها الداخلي وسعادتها المؤقتة وثقتها المصطنعة، حتى بدا متوحدًا معها، مما يمنحها مصداقية مرعبة.

وعلى مستوى باقي طاقم الممثلين نجدهم قدّموا أداءً متميزًا ببراعة، ليثبتوا أن الفن لعبة جماعية لا تنجح معتمدة على البطل فقط، بل بتكامل جميع عناصرها.

الرؤية الإخراجية:

نجح المخرج آدم عبد الغفار، بوصفه كاتبًا للنص، في خلق تماسك بين الرؤية البصرية والكتابة الدرامية، مع تحكم دقيق في بناء عناصر العمل، كما ساهم في تطوير أداء الممثلين عبر توجيه واضح داخل المشاهد، وعلى مستوى حركة الممثلين داخل الكادر، وظّف الميزانسين بما يبرز العلاقات بين الشخصيات ويعزز الحالة الدرامية ويخدم نقاط القوة في كل مشهد.


فيما يتعلق بالإضاءة وزوايا التصوير، يميل العمل إلى توظيف تلك العناصر بما يعزز الحالة التوترية ويخدم الجو العام للمشاهد.

كما يأتي المونتاج بإيقاع متماسك يساهم في ضبط نسق السرد دون الإخلال بتدفق الأحداث.

ويمكن القول إن هذا العمل يبدو أنه دخل في دهاليز "قانون سكسونيا" الغابر، حيث تُذبح الحقيقة في وضح النهار بينما ينجو الكبار من أي مساءلة. نحن أمام دراما لا تُحاكم المجرم بقدر ما تقدم طقوسًا استعراضية لتخدير الضحايا، في تكريس واضح لعدالة طبقية لا تمس سوى البسطاء.