(سمعنا يا عم الحدوتة) هتاف جماهير الزمالك الذي هزّ مدرجات استاد القاهرة في إياب نهائي بطولة الكونفدرالية الإفريقية. جاءت النتيجة على عكس ما يشتهي عشاق الزمالك، خسر الفريق أمام اتحاد العاصمة الجزائري، المتواضع فنياً. لكن لا يزال للحدوتة بقية وعلى الأرجح أن الفصل الأخير يخبئ فرحة تستحقها الجماهير البيضاء عندما يحسم اللاعبون لقب الدوري يوم الأربعاء القادم.
الزمالك أمام اتحاد العاصمة قدم مستوى سيئ، على عكس مباراة الذهاب التي خسرها بهدف، لا استحواذ ولا جملة تكتيكية واحدة، حتى أجنحة الفريق كانت مكسورة. باختصار هو موقف جديد من مواقف اللاعبين "البايخة".
جماهير الزمالك هي بطل الحدوتة الحقيقي، لم تتوقف عن مؤازرة الفريق ولم تتخل عنه في أصعب المواقف، هرولت وراءه في كل الملاعب، ألفت هتافات تحفيزية تُحرك الحجر، تحملت ما لا يتحمله أي مشجع كروي، عاشت مع "عُقدة" خسارة الألقاب سنوات، هي ليست عقدة واحدة، قُل عليها 100 عقدة وعقدة، وبرغم الكثير من الخذلان لم يتراجع عشقها (للفانلة البيضاء أم خطين حُمر).
من ميت عقبة حيث مقر النادي مروراً بكل مكان في مصر، وحتى أي بلد في العالم، حالة عشق لم تنته، وأكيد أنها لن تنتهي، أتحدث هنا عن الجماهير المخلصة، وعن التشجيع الكروي الحقيقي والروح الرياضية، وليس عن المكايدة والشماتة والمراهقة التشجيعية التي يعيشها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء جماهير الأهلي أو الزمالك. تصنّع الظرافة، والاستخفاف وركوب "الترند" لم يجعلا من أي شخص كوميديان بارع أو نجم جماهيري محبوب.
على مقهى في دبي ووسط أصدقائي من مشجعي الزمالك شاهدت مباراة نهائي الكونفدالية، وبرغم انتمائي للأهلي، نجح مهاويس الفانلة البيضاء في أن يجعلوني أعيش ما يعيشونه، نقلوا لي نفس التوتر والعصبية، لدرجة أنني حدثت نفسي قائلا: "أهدى يا عم.. مالك أنت بالحوار ده".
حالة تشجيعية غريبة، حماس وأمل، على عكس الظاهر على وجوه اللاعبين، حالة لا يعرفها إلا العاشق، حالة نقلتها الكاميرات عندما استقرت على وجه حازم إمام الذي تواجد في المقصورة الرئيسية للإستاد لمؤازرة الفريق. أحمرّ وجه حازم من فرط الانفعال وانكفأ مستنداً على الفاصل الحديدي ليستعيد هدوءه.
كلما مرت الكاميرات بين المدرجات كلما رصدت وجوه يعلوها القلق والأمل في آن واحد. على المقهى كان نفس الحال ونفس المشهد، خصوصاً عندما ذهبت المباراة إلى ركلات الترجيح، بعضهم تابعها من الوضع واقفاً، وأحدهم دعا قائلاً: "هاتها جمايل يارب للآخر"، وآخر ظل يفرك على كرسيه حتى وصل إلى الأرض، استسلم للوضع وجلس متربعاً يتابع الموقف، أما الثالث كان يضع وسادة على وجهه كلما تقدم واحد من لاعبي الزمالك للتسديد.
جاء الدور على اللاعب محمد شحاتة في التسديد، هي الركلة الثامنة بعد سبع تسديدات ناجحة من لاعبي الفريقين. أغلب لاعبي اتحاد العاصمة سددوا بالقدم اليسرى وفي نفس الزاوية، لكن محمد عواد حارس الزمالك لم ينجح في التصدي لأي واحدة منها.
لم يوفق شحاتة في التسديد، ولم يوفق عواد أيضاً في إعادة الأمل إلى القلوب، لكن النهاية الدرامية التي انتهت بها المباراة لا يمكن أن تخطر على بال أكبر كتّاب الدراما.
محمد شحاتة لاعب الزمالك رحل والده قبل مباراة الذهاب، لكنه ظل في معسكر الفريق بالجزائر، حمل شارة القيادة في هذه المباراة كنوع من أنواع المؤازرة في موقف إنساني رائع يحسب للجهاز الفني واللاعبين. حدث ذلك أيضاً في مباراة الإياب، تقرر منح الشارة للاعب نفسه، أملا في أن يرفع هو الكأس، في محاولة لتخفيف أحزانه.
جاءت النهاية حزينة بجرعة مضاعفة، فقد أطاح شحاتة بالكرة بعيداً عن حدود المرمى، مشهد يعيد إلى الأذهان موقف النجم الإيطالي روبرتو باجيو، الذي أضاع ركلة الحسم في نهائي كأس العالم 1994 الذي جمع بين إيطاليا والبرازيل، عندما أضاع باجيو الركلة وقف صامتاً ووضع يده في خصره، مشهد أطلق عليه (لحظة الموت واقفاً).
شحاتة يحتاج إلى المؤازرة وهو ما فعلته الجماهير بالفعل أثناء خروجه من الملعب، فقد أضاع أعظم لاعبي العالم ركلات ترجيح، بمن فيهم ميسي ورونالدو وبيليه ومارادونا، أما معتمد جمال مدرب الفريق يستحق الشكر حتى وإن جانبه التوفيق في إدارة المباراة، فقد تولي المهمة في ظروف قاسية ولعب بأقل الإمكانات.
كل هذه الحودايت التي تكتب وتروى تضعنا أمام سؤال واحد وهو متى تنحل العقدة ويتوقف الخذلان؟ والمحير في الأمر أنك لا تعلم على أي شخص تطرح هذا السؤال!