ابن الشركة.. دراما السوشيال ميديا والأجيال الجديدة

شهاب بديوي 

انتشرت مسلسلات الميكرو دراما بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، بدأت من آسيا، حققت ملايين المشاهدات، وأصبح لها صدى واسع عند الجمهور. 


والأمر يمكن فهمه ببساطة شديدة كون هذه النوعية من المسلسلات تتناسب في شكلها مع المحتوى القصير الذي يستهلكه المشاهد بشكل كبير جداً على مدار يومه بتصفحه منصات التواصل: فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، كما أنها تتميز بقصر مدتها، فهي تتميز أيضًا، كونها مادة متماسكة تتكون من حلقات مسلسلة، مما يحفز المشاهد على متابعتها، على عكس المحتوى الموجود على الإنترنت الذي في الغالب ما يكون عبارة عن فيديوهات متفرقة. 


في الفترة الأخيرة؛ كان هناك ما هو أشبه بسباق غرضه صناعة أول مسلسل ميكرو دراما مصري وعربي، لذلك من يتابع يقرأ عنوان: أول مسلسل ميكرو دراما عربي، على الكثير من المنشورات والأخبار. 


تبنت هذه النوعية مجموعة كبيرة من الأشخاص، وبعض شركت الإنتاج الغير معروفة، إلى أن تبنت منصة "watch it” هذا الشكل، وقدمت لنا مسلسل بعنوان: "ابن الشركة" ليكون أول مسلسل ميكرو داما من إنتاج منصة من المنصات العربية الشهيرة. 


ابن الشركة.. خطوة لابد منها 


يدور المسلسل حوّل البطل "آدم" الذي يتلقى خبر وفاة والده ليتغير شكل حياته. يتخفى آدم كموظف في شركته لكشف المؤمرات، والفساد داخل الشركة محاولاً إنقاذها من الإفلاس. 


المسلسل من إخراج ضيا حبيب، وتصوير حسام حبيب، وتأليف أحمد عبدالستار، ومن بطولة مجموعة من مشاهير السوشيال ميديا كما هو معتاد في هذه النوعية، فهي في الأساس ليست موجهة لمحبي الدراما، ولكن موجهة بشكل أساسي لجمهور التيك توك، والإنستجرام. ولذلك، كان المنطقي أن يعتمد العمل على شخصيات وأسماء من صانعي المحتوى، بحيث يكون لها قاعدة جماهيرية كبيرة يعتمد عليها المسلسل. 


بالنظر إلى مسلسل "ابن الشركة" وتقييمه كعمل ينتمي إلى الميكرو دراما، وبمقارنته بما يشبه من أعمال سنجد أن صناعه لم يكونوا على دراية بشكل كاف بهذا الشكل من الدراما. فعندما ننظر إلى الأعمال المشهورة ستجد أنها تتميز بالتكثيف المعلوماتي في الحلقة الواحدة، ولكننا في هذا العمل لم نشاهد ذلك، وكل ما في الأمر أنهم قصقصوا المادة الدرامية إلى اجزاء قصيرة تترواح مدتها بين دقيقة أو دقيقتان. 


ففي الحلقة الأولى يحدث أن يستيقظ البطل آدم من نومه، ويرد على الهاتف. ثم تنتهي الحلقة! وفي الحلقة الثانية نعرف أن والده توفى، ويستلم من المحامي وصية. وفي الحلقة الثالثة نعرف فحوى الوصية، وكون الشركة في حالة حرجه اقتصاديا. 


في حين أننا إذ ننظر إلى هذا العمل، وأعمال أخرى على شاكلته نجد بعض الخصائص الأساسية مفقودة منها، وأهمها الإيقاع السريع، فالحلقات قصيرة جدًا، ما يفرض على المبدع أن يركّز في كل لحظة، ويخلق نقطة اشتعال درامية سواء من خلال مفارقة، أو غموض، أو تغيير مفاجئ في الحبكة.


ففي الحلقة الأولى من مسلسل "مربية ابنتي السجينة السابقة هي أم طفلي"، أحد أشهر مسلسلات الميكرو دراما وأكثرها مشاهدة، نرى امرأة تمشي داخل السجن حبلى، وذاهبة إلى لقاء حبيبها، ومن خلال هذه الزيارة نرى حبيبها مصطحب معه فتاة أخرى، وهي ابنت عمها، وتكتشف انه خان ثقتها بعد أن وعدها بالزواج، ونكتشف أيضا أن لم ينم معها بل بعد أن خدرها تركها لرجل آخر. كل ذلك في مشهد واحد، وفي المشاهد التاني يظهر رجل أعمال ثري يطلب من مساعده البحث عن الفتاة التي كانت معه في تلك الليلة.


تخيل معي كيف تم اختزال الخطوط الدرامية، وكم الأسئلة التي يدور في بالك الآن عن ماضي، ومستقبل هذه الشخصيات. وبهذه الطريقة يحافظ المسلسل على انتباه المشاهد حتى النهاية. 


أما في هذا العمل، ابن الشركة، تبدوا كل حلقة كقطعة محتوى مقصوصة من عمل أكبر. ويغيب عنها الإيقاع السريع. فالمعلومات التي نعرفها كمشاهدين في كل حلقة معلومات ضئيلة، وغير محمسة/محفزة على استكمال المشاهدة. على سبيل المثال: الحلقة الرابعة والخامسة نعرف منهم معلومة واحدة، وهي نفس المعلومة مكررة! وفي الحلقة الثالثة عشر المعلومة التي نعرفها هي أن تليفون عم شعبان ذاكرته ممتلئة! 


وعادة ما تكون كل حلقة محدودة في نفس المكان-اللوكيشن، وهذا بعكس ما عليه هذه النوعية من المسلسلات التي نرى فيها الكثير من قطعات المونتاج والانتقالات المونتاجية والمكانية. 


طبيعة الحكاية


أيضًا مما يفقده هذا العمل طبيعة الحكاية التي تكون عادة في مثل هذه المسلسلات معتمدة على المبالغة، والأحداث المفاجأة، وفي الغالب ما يشغل الحوار مساحة هامشية. فالاعتماد الأكبر على الأحداث نفسها، والتغيرات الفجائية. 


ولكن، "ابن الشركة" لا زال متبع الشكل الكلاسيكي للدراما التي تعتمد على الحوار بشكل كبير، فيمكن ملاحظة أن الحوار موجود في الحلقات بنسبة تتخطى السبعين في المائة. 


لكن هذا التكثيف يطرح أيضًا سؤالًا جماليًا، وهو: هل يمكن للدراما أن تحتفظ بعمقها الإنساني حين تُضغط إلى هذا الحد؟ يرى بعض النقاد أن الميكرو دراما تُحوّل الدراما إلى منتج يُستهلك بسهولة وينسى بسرعة. إلا أن آخرين يرون فيها فنًّا جديدًا يقوم على الاقتصاد في التعبير، وعلى القدرة على خلق تأثير عاطفي وفكري في أقل وقت ممكن.


يمكننا القول إنّ الميكرو دراما تلغي السرد الكلاسيكي، وتعيد تعريفه. فبدل البناء المتدرج، تعتمد على الصدمة اللحظية أو المفارقة الذكية أو الانفعال المكثف، وهي أدوات تتناغم مع طبيعة الوسائط الحديثة وذائقة المتلقي الجديد.


كما يمكننا القول أن الميكرو دراما هي مواكبة العصر. فقد أصبح من الصعب الحفاظ على ذهن المتفرج مشدودًا، ويقظًا لمدة ساعة، ذلك المتفرج الذي أعادت تطبيقات مثل: انستجرام، وتيك توك، ويوتيوب شورتس هيكلة عقله. فهو يشاهد الفيديوهات في مدة لا تزيد في الغالب عن دقيقة واحدة. 


ولكن، يظل هناك سؤال مطروحا للنقاش: هل جاءت الميكرو دراما لتناسب طبيعة العصر، أم الميكرو دراما نفسها تساهم في تغيير طبيعة التلقي عند المشاهد؟ 


طاقم العمل 


ولما كانت الميكرو دراما موجهة في الأساس إلى مستهلكي الفيديوهات القصيرة، كان من الذكاء أن يعتمد العمل الدرامي في ثوبه الجديد على باقة من مشاهير السوشيال ميديا بدلاً من الاعتماد على الممثلين المحترفين. 


وهذا ما نراه مطبقًا في هذا العمل حيث يعتمد على وجوه شابة قادمة من عالم الإنترنت، والعمل من بطولة: احمد الشربيني، صلاح الدالي، ريم نبيل، كريم محجوب، وآخرون.


وهو ما يقودنا بدوره إلى سلبية أخرى من سلبيات هذا الشكل من الدراما فلدينا مشكلة في الأداءات التمثيلية، وهذه المشكلة يمكن إرجاعها إلى سببان رئيسيان: الأول اعتماده بشكل أساسي على مشاهير الإنترنت غير المحترفين في التمثيل، منهم أشخاص يسعون إلى هذا، والثاني طبيعة التصوير؛ فنحن أمام مشاهد مدتها في أقصى تصور تصل إلى دقيقة، بل ونصف دقيقة أحيانًا. مما يصعب على الممثل تقمص الشخصيات، أو السماح له بالدخول في العالم والتواصل مع الشخصية. 


غير أن طبيعة الكتابة مختلفة؛ حيث تختلف بشكل كبير على المواقف لا على الشخصيات، وهو ما يصعب المهمة أكثر ليصبح الممثل أمام شخصيات مكتوبة بسطحية. 


البحث عن المنصة الأنسب 


لا يمكن قراءة الميكرو دراما دون فهم الجيل الذي يحتضنها.


جيل Z يعيش في عالم مشبع بالصور، سريع التنقل بين التطبيقات، ويواجه يوميًا آلاف المقاطع القصيرة.


ولذلك تبدو الميكرو دراما بالنسبة له الشكل الطبيعي للتواصل، واللغة التي يفهمها، والإيقاع الذي يناسب حياته.


لكن هذا لا يعني غياب الذائقة الفنية أو رفض السرد الطويل؛ بل يعني أن هذا الجيل يحتاج إلى أشكال هجينة تجمع بين التكثيف ومنطق القصة، بين السرعة ومعنى الحكاية.


وهذا ما يجعلنا نتساءل حول صلاحية منصات مثل: شاهد، أو watch it أو غيرها من المنصات لاحتضان هذا الشكل من الدراما؟ 


فبالنظر إلى الشكل الذي تقدم فيه هذه الأعمال سنجده غير متناسب مع طبيعة الشاشة الكبيرة المصممة لعرض المحتوى بأبعاد مختلفة تماماً. 


ولذلك نرى أن هذه المسلسلات إذا اقتصر وجودها على هذه المنصات سيكون الإقبال عليها شحيح للغاية مقارنة بما سوف يكون عليه الحال لو تمت إتاحتها على تطبيقات مثل: تيك توك، أو يوتيوب، أو غيرها من المنصات التي تتناسب مع طبيعة المحتوى من حيث الشكل، والمضمون. 


وهذا ما عليه الحال بالفعل في العالم فهناك منصات مخصصة لعرض هذه الأعمال أشهرها (Reel short). 


في النهاية، يعد مسلسل "ابن الشركة" خطوة شجاعة من منصة "واتشد"، كونها تتحمس لهذا الشكل العصري الذي لم يُختبر كفاية ليثبت نجاحه أو فشله. والتجربة في المجمل جاءت جيدة، بها وهنات واضحة، ولكنها جيدة في المجمل، خاصة اعتمادها على الكوميديا سهل عملية القبول. يبقى أن ننتظر الأرقام، والإحصائيات، والأهم من ذلك ردود الأفعال من جانب الجماهير، وكيفية تعاطيهم مع العمل. 


ونختم بمجموعة من الأسئلة نتوقف عندها للتفكير والتأمل: هل الميكرو دراما قادرة على التواصل مع المشاهد بشكل درامي متماسك دون اللجوء الى الابتذال؟ 

وهل سنرى نجوم الدراما يتجهون إلى هذا الشكل مستقبلاً؟ وهل سيؤثر هذا الشكل على شكل الدراما التقليدي المتعارف عليه؟ وهل سيؤثر هذا الشكل من العرض على عقليات المشاهدين؟