عمارة أثرية ومقتنيات نادرة.. فوزي العوامري يكشف كواليس ديكورات "أحلام سعيدة"

هالة أبو شامة أحلام سعيدة 

على مدار أيام شهر رمضان، استمتع الجمهور بمشاهدة حلقات مسلسل “أحلام سعيدة” الذي تقوم ببطولته الفنانة يسرا بمشاركة كل من غادة عادل ومي كساب.

تلك المتعة التي شعر بها المشاهدين، لم تقتصر على التمثيل الصادق أو الحبكة المتقنة أو الإخراج المميز، وإنما شمل أيضًا الصورة المبهرة، إذ تم تصوير الأحداث في عدة أماكن عَبرت عن شخصية ممثليها وظهرت في أبهى شكل يمكن تخيله، لدرجة أن الانطباع الذي سيتبادر إلى ذهنك أثناء المشاهدة هو أن هذه الأماكن لا بد وأن تكون حقيقية خاصة شقة “فريدة” التي اتخذت طابعا كلاسيكيا أنيقا.

نرشح لك: هالة خليل عن يسرا في “أحلام سعيدة”: أعرف “ديدي هانم” الحقيقية

أحلام سعيدة

ولمعرفة المزيد عن تفاصيل تلك الأماكن والديكورات التي تم الاستعانة بها لتصوير مشاهد المسلسل، تواصل “إعلام دوت كوم” مع مهندس الديكور فوزي العوامري، الذي تحدث عن كل كبيرة وصغيرة بشأن كواليس العمل.

الجزيرة هاوس

قال “العوامري” إنه في بداية كل عمل يدرس الخطوط الدرامية والشخصيات بعناية شديدة، يمكن من خلالها تكوين تصور دقيق عن ديكور كل مشهد سواء كان سيتم بنائه خصيصا أم سيتم الاستعانة بأحد الأماكن المبنية في الأصل وتعديل ديكوراتها بما يناسب السيناريو، لذا قبل الشروع في تنفيذ الديكورات بحث بصحبة المخرج عمرو عرفة، عن إحدى العمارات التي تتسم واجهتها بالعراقة والأصالة التي تتسق مع طبيعة شخصية “فريدة” التي تعاني من “اضطراب الوسواس القهري -OCD” الذي يدفعها للتنميق المفرط في كل ما يحيطها، وتم التوصل إلى عمارتين الأولى في جاردن سيتي والثانية في الزمالك، إلا أنه تم اختيار الأخيرة والتي اشتهرت باسم “الجزيرة هاوس”، نظرا لتاريخها الذي يمتد لأكثر من 111 عاما ورحابة مدخلها  وذلك بفضل تصميمها على هيئة “حرف C”، هذا بخلاف ألوانها الباهية ونظافتها.

أحلام سعيدة

بعد الاستقرار على عمارة “الجزيرة هاوس”، تم البدء في تنفيذ الديكورات الداخلية التي تم بناء البعض منها في بلاتوه 1 باستوديو الأهرام، ومن بينها شقق فريدة وليلى ونصار، ومحل “الرفة” والسجن، هذا بجانب بناء عدة أقسام شرطة في مدينة السينما.

شقة فريدة

وأوضح أن شقة “فريدة” التي جسدتها يسرا، والتي شهدت العديد من الأحداث، تم تصميمها وبنائها بعناية كبيرة وبمواصفات خاصة تناسب احتياجات العمل، موضحا أنه إذا كانت الشقة الأصلية من المفترض أن تبلغ 150 مترا فإن الشقة التي تم بنائها بلغت مساحتها حوالي 400 مترا، وبالنسبة للعمارات المحيطة التي من المفترض أن تظهر من الشبابيك أثناء التصوير من داخل الشقة، فإنه تم وضع بنرات تحمل صورا مطابقة لتلك العمارات على الحائط المواجه للشبابيك، فيما تم بناء المطبخ على الطراز المودرن الذي تم استحداثه في أوائل القرن الماضي ليبدو بسيطا نظيفا معقما، لافتا إلى أن البعض يعتقد أن التصميمات المودرن هي تصميمات معاصرة لكن ذلك اعتقاد خاطئ لأنه طراز تم ابتكاره قبل فترة كبيرة.

وأثناء حديث “العوامري” عن شقة فريدة روى واقعة بشأن تشطيب أحد الأبواب، حيث قال: “وأنا ببص على صناعة الأبواب كان فيه حرف باب التشطيب بتاعه وحش فزعقت وقلت لهم فريدة عندها OCD.. فجابوا معدة اسمها راوتر بتمشي على الخشب وتظبط الحرف بتاعه، وجبت النقاشين دهنوها تاني”، مؤكدا أنه دقق في كل كبيرة وصغيرة وحرص على نظافة كل شيء ليبدو المكان وكأنه معقما يمتلئ بالأكسجين، إلا أن دقته الشديدة في العمل دفعت بعض العاملين معه للتعجب بعض الشيء، فما كان منه إلا أن يرد عليهم قائلا: “فريدة دي هتخلص تصوير وهترجع يسرا وهفكركم هتعيط بجنون على البيت”، معلقا: “وفعلا أول ما المخرج قال فركش يسرا عيطت”، مضيفا إلى أن الشقة الأصلية لم تكن بجمال شقة “فريدة” ولا تصلح للتصوير في الأساس نظرا لضيق مساحتها وانعدام ألوانها.

وأكد أن حرصه على التدقيق في كل شيء سببه هو أنه يريد أن يساهم المكان في مساعدة الممثل على استحضار الشخصية دون بذل أي مجهود.

أحلام سعيدة

توازن درامي

أما شقة “ليلى” التي جسدتها مي كساب، والتي تم بنائها بجوار شقة “فريدة”، فأشار إلى أنه تم بنائها بذوق شعبي قديم مطابق لأغلب المصريين، لافتا إلى أن ألوان هذه الشقة تحديدا وديكوراتها لاقت استنكارا في البداية من قِبل المهندسين المساعدين، إلا أنه استمر في العمل لتوضيح رؤيته، معلقا: “قلت لهم عايزكوا تهدوا.. ليلى لما هتدخل شقة ضرتها المفروض هتقول دي شقتها أحلى من شقتي 100 مرة.. احنا عايزين نعمل توازن درامي”، مضيفا: “يوم ما شقة ليلى اتفرشت كان فيه حالة غير طبيعية”.

فيما لفت إلى شقة “نصار” جار فريدة، كان لا بد وأن يكون ذوقها صاخبا لتشير إلى أن صاحبها “مُحدث نعمة”، هذا بجانب “بير السلم” الذي تم تصميمه بشكل غير مطابقة للعمارة الأصلية وذلك بسبب ضيق المساحة، إلا أنه أكد أن الأسانسير هو ما كان مشابها للأصلي وذلك من باب الاحتياط حتى إذا ما ظهر في عمق الصورة يكون مناسبا.

أضاف، أن كل الأماكن التي كانت مبنية في الأساس بالطوب، تم التدخل فيها بدهانات وأثاث يناسب كل شخصية، حيث قال: “كل مكان مطابق للشخصية اللي ساكنة فيه زي التوأم”.

في نفس السياق، كشف أن الإضاءة النهارية التي كانت تظهر في مشاهد “فريدة” وهي تفتح نافذة غرفتها لتتنفس هواء الصباح، كانت بفضل مدير التصوير شريف النمر، الذي استخدم مصباح “أبوللو” الذي يشبه في إضاءته نور الشمس.

مقتنيات نادرة

وكشف فوزي العوامري، أن اللوحات وبعض المقتيات التي تم وضعها في شقق الشخصيات كانت جميعها لا تقدر بثمن، تم “دعم” ما فعله متخصص الإكسسوار علي الزهار، بلوحات ومقتنيات أصلية، موضحا: “كل واحد فينا جاب من بيته أغلى حاجات، عمرو عرفة جاب من بيته أغلى المقتنيات اللي هي زوجته سوزي عرفة، الفنانة التشكيلية الحساسة الموهوبة.. جزء كبير من مقتنياتها اللي جابتها من دول مختلفة حول العالم ولوحات رسماها بإيديها فرشت بيهم بيت فريدة، وأنا جبت من بيتي بعض اللوحات والأبجورات اللي أنا بحبها.. احنا مش فاكرين مين جاب ايه بس أنا وعمرو جبنا أغلى ما في بيوتنا وحطيناه جنب اللي عمله علي الزهار اللي هو جاب انتيكات من جاليرهات أوريجينال فعلا”.

تابع: “كنا بنحط المقتنيات في الشقة اللي تشبهها.. وكنت بقول لهم إخلاصنا هيبان في كل حاجة محدش يتوقع إن ده ديكور، عشان كده كل ما كان حاجة تظهر وتلعلع كنت بلغيها، لأن المفروشات بتبقى قريبة من عمر بعض، فلو حاجة جديدة كانت هتبقى مش لايقة على الجو العام”.

من جانبها، أوضحت سوزي عرفة،  أن جزء كبير من اللوحات من هي من إبداع الفنان مجدي صبحي، بجانب لوحات كثيرة من أعمالها في مراحل مختلفة، وبعض أعمال نحت للفنان نجيب معين وأيمن السعداوي وأحمد عبد التواب.

تكتم على كواليس العمل

وعن كواليس بناء هذه الديكورات، أكد على أنه تكتم تماما على نشر أي صورة يمكن أن يستنتج الجمهور من خلالها أن تلك الشقق كانت مبنية، حتى أنه أجل نشر صور احتفال فريق العمل بعيد ميلاده وذلك لنفس السبب، موضحا: “الناس مندمجة وبتتفرج على فريدة اللي فاقدة بصرها مش على أنها يسرا ومندمجين معاها على إنها شخصية حقيقية، مينفعش أعري ده وأقول ده تمثيل والشقة دي ديكور”.

تلك الواقعة ذكرته بأخرى خاصة بفيلم “عمارة يعقوبيان”، حيث كاد أن يفقد الجائزة بعد أن ظنت لجنة التحكيم أن الديكور موجود على أرض الواقع وليس مبنيا، معلقا: “أستاذي محمد عزب هو الوحيد اللي كان عارف إنها ديكورات.. ومن ساعتها الناس بتثق في الديكورات الكلاسيكية في تاريخ العمارة المصرية اللي بعملها”.

أحلام سعيدة

 

أحلام سعيدة

أرض مهترئة

من ناحية تحدث “العوامري” عن الصعوبات التي واجهها أثناء بناء الديكورات، حيث قال إن أرضية الاستوديوهات كانت مهترئة وبحالة مزرية اضطرتهم إلى إصلاحها في البداية حتى يتسنى لهم البناء بطريقة سوية، معلقا: “كانت الأرض محفرة وفيها عالي وواطي.. ميصحش تبقى استوديوهات بالرداءة دي والإهمال ده”، مضيفا إنه رغم وجود مثل تلك الصعوبات إلا أن المسلسل كان محظوظا للغاية بوجود منتج واعي مثل جمال العدل، واصفا إياه بأنه “فارس الإنتاج السينمائي”.


فيما لفت الانتباه إلى الصعوبات التي يمكن أن تواجه مهندسي الديكور في المجال الفني، حيث أكد إن التكتم على الميزانية المخصصة للعمل هو من أسوأ ما يمكن أن يواجه مهندس الديكور، إذ أن البعض يتفاجىء بعد رسم تصور معين لسيناريو ما أن الميزانية لا تغطي التكلفة، أو أن السيناريو يتضمن وصف مفرط الخيال والجمال لا يمكن تنفيذه بالميزانية المطروحة، معلقا: “هنا ألوم على جهة الإنتاج التي لم تفصح عن ميزانيتها منذ البداية، إلا أنه في هذه الحالة لا بد وأن يتم الوصول إلى حلول مرضية أو بدائل أخرى، لأن مهندس الديكور يجب أن يكون لديه مخزون كبير من الثقافة التشكيلية التي يمكن أن تسمح له بعمل شيء يعطي انطباع بقيمة عالية ولكن بتكلفة أقل”.

وأشار إلى أن تلك الصعوبات تشمل أيضًا قلة الاهتمام بمهارات العمال والصنايعية خاصة في الأعمال اليدوية ويرجع ذلك إلى غلاء الخامات والأجور فبالتالي أصبحت الآلات بديلة عن الأيدي العاملة مما أثر على الجودة والإتقان.

وأوضح أن الخامات المستخدمة في الديكورات يتم تحديدها وفقا لوصف المكان ذاته،  بمعنى أنه إذا كان المكان غني معماريا فلا بد أن تصنع العناصر غنية، وإذا كان بسيطا فلا بد وأن تصنع هذه العناصر بسيطة.

واختتم مهندس الديكور فوزي العوامري حديثه الشيق بكلمات لخص من خلالها أهمية الديكور والمكان بالنسبة للعمل الفني، حيث قال: “المكان يحكي تاريخ دون أن يسمع صوته، يبوح بتاريخ وحكايات دون أن ينطق”.