تحليل

أفلام مقاولات من إنتاج نتفليكس

فيصل شمس
نتفليكس
شباك التذاكر يظل دائما المعيار الرئيسي لنجاح الفيلم السينمائي، وانعكاس واضح لمدى جودته، وطالما يحقق الفيلم الإيرادات فهذا يعني مباشرة نيل إعجاب الجمهور ولمس مناطق شعورية لديهم، لكن هذا المعيار الثابت قد ينكسر لعدة أسباب.

فربما يكون الفيلم (فيلم مهرجانات) وهي مقولة فنية نقدية شعبية تعني أنه فيلم ممتاز لكن للمهرجانات فقط، وغالبا لا يحقق أرباح تغطي تكلفته رغم الجودة الفنية، أفلام يوسف شاهين كانت توصم بذلك دائما، وسيطرت تلك الصفة على جيل كامل من المبدعين الذين لم يجدوا بدا من خوض مغامرات فنية محفوفة بالمخاطر ووجدوا بشكل ما شركات الإنتاج التي تساندهم، فالفيلم ممتاز، لكن الجمهور الذي يبحث عن المتعة ولا يمتلك الجهد الكافي لاستكشاف ما وراء اللقطات والمشاهد والانفعالات لا يقبل بكثافة على هذه النوعية، وربما يستطيع الفيلم أن يلف مهرجانات العالم لينال التقدير الذي يستحقه، لكنه يظل صعبا على الجمهور، وربما حين يعرض على شاشات التليفزيون بتم اكتشافه من جديد.

نرشح لك: هل تهدد نتفليكس وديزني مستقبل صناعة السينما؟

انكسرت القاعدة أيضا في مجموعة أخرى من الأفلام التي سيطرت لفترة طويلة على التاريخ السينمائي المصري وعرفت باسم (أفلام المقاولات) فشباك التذاكر يحقق أرباح عالية، لكن الجودة مفتقدة.

مزجت تلك الأفلام بين الكوميديا والجريمة والأكشن المبتذل، وتزامنت فترتها مع نقص شديد في دور العرض ومشاكل واجهت شركات الإنتاج، فاندفع الجمهور نحوها لمجرد التمتع بجو السينما وملاحقة النجوم.

نتفليكس
نتفليكس

 

السينما العالمية تواجه حاليا مستقبلا مريبا بسبب السطوة والتوسع في منصات المشاهدة مثل نتفلكس وأبل وأمازون، وغيرها، مما ينبئ بعصر جديد تتغير فيه المعادلات وتتصاعد التهديدات لوجود ولزوم دور العرض نفسها.

في الوقت الحالي تحطم منصات المشاهدة القواعد بعد أن تعدت دورها كشاشة للعرض إلى أن أصبحت من أكبر جهات الإنتاج في العالم، ليصبح الفيلم السينمائي سلعة تليفزيونية في الأصل تنتظر لتأخذ دورها الطبيعي للعرض في المنصة بعد انتهاء الفترة المؤقتة للعرض السينمائي.

ونظرا لزيادة الطلب وأهمية وجود مواد جديدة باستمرار، أصبح الإنتاج يتم بسرعة ودون التدقيق الذي اعتدناه، وهنا نشاهد ما يشبه أفلام المقاولات تخرج من هوليود العظيمة إرضاء لحسابات منتج متعجل مثل نتفلكس.

بالطبع ليست بمستوى أفلام المقاولات التي سيطرت على السينما المصرية لفترة، لكن التهافت الواضح في المحتوى (السيناريو – الحبكة) بالنسبة إلى هوليود يعني بالنسبة للمشاهدين حول العالم قلة الجودة

شاهد أفلام مثل 

Don’t Look Up

The Unforgivable 

Red Notice

هذه الأفلام التي انتظرها الجمهور طويلا ليكتشف عند العرض مناطق من الركاكة والضعف وأحيانا الاستظراف.

قد يبدو الفيلم عظيما بشكل عام وسريع، لكن الدخول في التفاصيل يصدمك بسقطات من نفس نوعية أفلام المقاولات، مثل المبالغة في الأداء التمثيلي، الحبكة المفتعلة، التحليق بعيدا عن المعقولية، بناء الشخصيات متوسط المستوى، اللهاث من أجل الإضحاك.

طبعا لا نستطيع إنكار وجود مناطق قوية في هذه الأمثلة من الأفلام، ولا ننكر أنها بشكل عام أفلام جيدة، لكن تقييم هوليود يجب أن يكون على مستوى هوليود.

هنا يظل شباك التذاكر حاضرا لكنه يفقد قيمته المعيارية، فهذه المنصات لا تلتزم بالقوانين العتيقة والتي سار عليها التليفزيون … كان الفيلم يعرض على شاشة التليفزيون بعد فترة طويلة نسبيا من خروجه من دور العرض،، وبالنسبة إلى هوليود كان الفيلم السينمائي يلف أنحاء العالم من دولة إلى أخرى وفي نهاية رحلة طويلة يمكن أن يتم منحه لأحد القنوات بحقوق عرض محدودة لمدة سنة واحدة مثلا تتجدد أو لا ليشاهده جمهور المنازل،، وقنوات تليفزيونية كثيرة كانت ترفض شراء حقوق العرض بسبب غلاء الأسعار، وكانت تعقد مقارنات حسابية عسيرة بين شراء حقوق العرض ونسبة الإعلانات المتوقعة لمعرفة جدوى إنفاق هذه المبالغ المرتفعة.

بعد فترة وهمية من تهديد التليفزيون لوجود السينما، ولدت معادلة مرضية تعطي الزخم للإنتاج السينمائي وللعرض التليفزيوني في ذات الوقت، وأصبح الكل سعيدا.

إنتاج – عرض سينمائي لمدة معقولة حسب الإقبال الجماهيري – عرض تليفزيوني بعد فترة قصيرة نسبية لعدد محدود من القنوات التي تتحمل تكلفة الشراء – عرض تليفزيوني أكثر توسعا بعد فترة طويلة نسبيا نظرا لانخفاض تكلفة الشراء.

لكن المنصات حاليا أصبحت تمتلك كل شيء الإنتاج- العرض وبالتالي السوق، وهي في سبيل ضخ المنتج وجذب مشتركين جدد لا تركز كثيرا في عناصر الجودة فشباك التذاكر لم يعد المعيار الحقيقي وحتى آراء النقاد قد تؤثر فقط على عدد المشاهدين في دور العرض، لكنها لن تغير من طبيعة المنتج الذي يتم بثه للمشتركين في بيوتهم.

نتفليكس
نتفليكس

 

شركات الإنتاج الكبيرة الراسخة تاريخيا تعرف قوانين اللعبة جيدا وتدرك كيف تصنع الفيلم المحكم القوي، ومتى تترك للمواهب فرصة التجريب ومتى ترفض التجريب ومتى تتدخل ومتى توقف إنتاج فيلم ومتى تعدل النص أو تغير المخرج أو تبدأ الفيلم من جديد … الخ لتصل بالفيلم إلى مستوى من الجودة يجعلها تطمئن نسبيا لأرقام الوحش المرعب “شباك التذاكر”.

أما المنصات فيبدو أن لديها قاعدة واضحة ” الجمهور مضمون، 70% جودة تكفي”

افترض أنك لن تشاهد forist gump  جديد أو Fight Club  أو حتي The Gladiator وربما يصبح نجوم هوليود بلا نجومية فيقبع الجميع في سلة واحدة من المهارة.

في المستقبل هناك عدة احتمالات:

. يتضخم إنتاج المنصات فتكتفي بإنتاجها للعرض وهذا يمثل تهديد لجميع شركات الإنتاج في العالم بما فيهم شركات هوليود الضخمة.

. تجد المنصات أنه لا ضرورة للعرض السينمائي فتعرض الفيلم مباشرة على المنصة وهذا تهديد لوجود دور العرض.

. يحدث اتفاق عملي بين المنصات وشركات الإنتاج الكبيرة لتوسيع الزمن الفاصل بين المشاهدة السينمائية والمشاهدة على المنصة للإمعان في الجودة واختزال التهديدات الوجودية، وهو ما يمكن أن يكون قارب نجاة ملائم.

غدا نعرف ماذا سيحدث….

نرشح لك: رغم النجاحات.. هذا ما تحتاج نتفليكس تنفيذه في 2022

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock