حسين عثمان يكتب: بيان هيئة كبار العلماء

أن تنتظر قليلاً في مواجهة أي فعل يمسك من قريب أو من بعيد، هي قدرة تجعل من مساحة الوعي والعقل ملاذك الآمن، مهما دارت حولك دوامات أو اشتدت عواصف، وفي هذه المساحة تستشعر قيمة اتزان المواقف وحكمة القرارات، حين ترى جموع الناس مجرد تروس في آلة كبرى من ردود أفعال، هي في مجموعها انفعالية لا تسمن ولا تغني من جوع، ونتائجها سلبية في معظم الأحوال، وكارثية في المصيرية منها، ويزداد الأمر سوءً حينما تسود لخفنة المفاهيم، ولخبطة السلوكيات، وتتراجع القيم الجمعية أمام الرغبات الفردية، فلا تجد إلا أن تحترم ذاتك، وتصون قناعاتك، فتنأى بنفسك عن مجرد السير في قطيع، لم يعد يحترف إلا الإقصاء، ولا يكاد يرى إلا تحت قدميه.
 
 
قرار دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس مرفوض بكل المقاييس، وفي المقابل فإن ردود الأفعال الرسمية والشعبية في مجملها لم تواكب بعد خطورة القرار، وكنت قد أشرت، حال فوز ترامب المفاجىء بانتخابات الرئاسة الأمريكية، في نوفمبر من العام الماضي، إلى أنه بعيداً عن أي تهويل مضل أو تهوين مخل، لا نملك إلا أن نتعامل مع فوز الرجل بانتخابات الرئاسة الأمريكية، إلا باعتباره ملفاً جديداً من الفرص والتحديات، لمن يحرص صاغراً وفقاً لموازين القوة وتوازنات السياسة، على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن الفرص لا تزال ضائعة، فإن التحديات الآن مفروضة على الجميع، ولا يفعل ترامب في المقابل إلا أنه ينتهز كل الفرص، وعلى منهج “أنا ومن بعدي الطوفان”.
 
قس على ما تقدم بيان وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم “الطارىء” لمناقشة الأزمة، لن تجد إلا نمطية تاريخية، نشأت وترعرعت عليها جامعة الدول العربية، منذ أن ظهرت إلى النور، في منتصف أربعينيات القرن الماضي، الرفض والإدانة والتحذير والتمسك بقرارات الشرعية الدولية ممثلة في مجلس الأمن ومواصلة التنسيق والتشاور، الأطر العربية التقليدية للتحرك، ولكن في المكان، محلك سر، والتي لم نعلم أنها استردت يوماً أي حقوق، أو حسب لها أحد أي حساب، وفي ذات الخندق العبثي، تقف جيوش السوشيال ميديا تدق طبول “الكوميكس” ساخرة من أي وكل شيء، وأي وكل شخص، وهي لا تدري أنها تسخر من نفسها وأفعالها قبل أولئك وهؤلاء، أو لعلها لا تمارس إلا هوايتها في جلد الذات.
 
ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، قناعة أطرحها في مواجهة من يرددونها فقط لأنها تصادف هواهم في التعاطي مع ملف القدس، فهم أنفسهم من يحسبون على قائلها جمال عبد الناصر كل ما نعيشه من مآس، وهي لم تصنف عندي قناعة إلا بمفهوم القوة في عمومه، دون حصر المعنى في القوة العسكرية التي كان يرمي إليها بالأساس الزعيم الراحل في زمنه، ولأن ميزان القوة العسكرية لم يكن يوماً في صالح العرب في مواجهة التحالف الإسرائيلي الأمريكي، ولا نعتقد أنه سيكون يوماً في صالحنا، فإن مرادفات القوة هنا، السياسية والاقتصادية والاجتماعية منها، بل وحتى الثقافية والفنية والرياضية، هي كل ما نملك بشأن التعامل مع قرار ترامب، وهي قوى مؤثرة لو تعلمون.
 
في أيدي الجميع من أطراف مواجهة الأزمة رسمية كانت أو شعبية أوراق ضغط فاعلة، لا تحتاج إلا توحيد الرؤى وتنظيم الجهود والعمل الجماعي، وفي مقدمتها رفض المجتمع الدولي الصريح لقرار ترامب وتعاطفه مع القضية الفلسطينية، وهو تعاطف إنساني في المقام الأول، ولا يجب أن نفقده بأي حال من الأحوال، بتمييز صريح يخنق الملف في زاوية الدين، فالقدس خلقت لتكون مدينة واحدة لعقائد ثلاث، والحكمة هنا للخالق عز وجل، دعونا كرأي عام نواكب تحركات المجتمع الدولي التي تحمل رسائل واضحة ولا يمكن تجاهلها طويلاً، ومعها تأتي ضرورة منهجة حملات مقاطعة كل ما هو أمريكي وعلى قدر المستطاع، وعلى صانعي القرار العرب استخدام أوراق الضغط السياسية والاقتصادية بقوة في مواجهة أمريكا وإسرائيل.
 
على خلاف ما يرى الجمع الكبير منكم، أعتقد أن قرار ترامب بكل حماقته قد أعاد لنا بعضاً من الوعي العربي المفقود، وبعث فينا الروح من جديد وطناً ومواطنين، هي جولة مصيرية تحتاج إلى أنفاس طويلة، ولكننا قادرون عليها بمشيئة الله، ولعلها فرصة ذهبية نعيد بها التأسيس لوضعية القدس في هوية الأجيال الجديدة، وهنا أثمن جهود مختلف وسائل الإعلام الحريصة منذ اندلاع الأزمة على تأصيل الصورة الذهنية للتحدي الراهن بداخلنا، كما أشيد ببيان هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف الرافض للقرار جملة وتفصيلاً، وخاصة فيما يتعلق بتشكيل لجنة لصياغة مقرر عن القضية الفلسطينية يدرس بكل مراحل التعليم الأزهري، ويعلن عنه في مؤتمر الأزهر ومجلس حكماء المسلمين العالمي لنصرة القدس في يناير القادم.
 
ولعلني أدعو إلى تعميم دراسة هذا المقرر على مختلف مراحل التعليم بأنواعه وليس الأزهري منها فقط، ومع طبعه في طبعات شعبية توزع مجاناً من خلال ندوات وملتقيات ومؤتمرات تخص الأزمة، ونشره كذلك بعدة لغات بواسطة كافة التطبيقات الرقمية الحديثة لضمان وصول ما يحمل من رسائل إلى الجميع داخل مصر وخارجها، وحتى لا نناقض أنفسنا، أنبه مرة أخرى هنا إلى ضرورة الحرص على ألا تأخذ جهود الجميع القضية برمتها إلى أي منحى ديني، خاصة وأن توافق رؤى الأزهر الشريف والكنيسة المصرية المعتاد بشأن الأزمة يؤكد البعد الإنساني لها، وللقادة العرب في رفض الشيخ الطيب والبابا تواضروس استقبال مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي في زيارته المرتقبة للمنطقة مثل ندعوهم لأن يحذون حذوه.