عمر طاهر صنايعي.. "صنايعية مصر"

هالة منير بدير

هل كنت تتساءل عن مغزى صورة الغزالة على مغلف شوكولاتة “كورونا” ؟! مؤكد أن الإجابة ستكون حاضرة في ذهنك مع أول قالب كورونا تأكله بعد قراءتك لكتاب “صنايعية مصر”، أنت الآن تنظر بثقة لتلك الغزالة التي بدَّد عمر طاهر التساؤل المثار عنها!

كتاب “صنايعية مصر” تأريخ مفصل ودقيق بمعلومات موثَّقة في إطار من السرد التشويقي يدفعك أن تختم الكتاب في جلسة واحدة، كيف كان سيتسنى لنا أن نعرف كل تلك الحقائق دون جهد صحفي مخلص خارق، بأسلوب أدبي مميز ومحبب إلى النفس كما فعل عمر طاهر في كتالوج الصنايعية ؟! كعادة عمر طاهر يضع على ثغرك ابتسامة أو يفجِّر صدرك ضحكاً دون إنذار من خلال هذا الكتاب أيضاً ولكنه تحت مظلة الاحترام والإنحناء تبجيلاً، أعاد فيه شيئاً ولو بسيطاً من شكر وتقدير واعتراف وامتنان بالجميل لمن أخذوا على عاتقهم تطوير مصر في أشد وأصعب الأوقات..

نرشح لك : حفل إطلاق “صنايعية مصر”.. كتاب يدعو للأمل

عن الصنايعية:

– تجلت عظمة هؤلاء الصنايعية في كفاحهم المستمر وسعيهم الحثيث، منهم من ساهم بصناعة كانت أرباحها موجهة لدعم المجهود الحربي وإعادة التعمير بعد الحرب، ومنهم من تخلى عن دراسته الأساسية من أجل تأسيس صناعة تفتقر إليها مصر، لم يوقفهم كم الإحباطات والمعوقات، وإنما العزم على إكمال المسيرة بعد كل عقبة كان مفتاح ما تحقق من إنجاز باهر وانتشار واسع، وتحقق ذلك بالعمل بجد وتفاني وإشراف أصحاب تلك الصناعات بأنفسهم على جودة وكفاءة سير العمل، والتأكد من تقديم أحسن خدمة أو منتج للجمهور، البداية بشراء قطعة أرض صغيرة وبناء مصنع، حتى وصل التحدي أحياناً إلى تأسيس مشاريع من قلب الإرث المتخم بالديون، ثم اشتراكهم جميعاً في الرضوخ لقرارات التأميم، فتنتهي رحلة النجاح بهجرة الوطن أو هجرة الحياة حسرة على أطلاله..

– أصحاب المصانع لم يركزوا فقط على الماكينة والمنتج وإنما راعوا الحالة النفسية للعمَّال وكيف كان التشجيع بأسلوب ترفيهي بـإلحاق المصنع بقطعة أرض كملعب لإقامة مباريات كرة القدم، وبطاقات مجانية لحضور السينما، وإقامة الأنشطة المسرحية والفرق التمثيلية، وإقامة مطعم داخل المصنع ومستوصف لتقديم العلاج..

– ومضات الحماس التي كانت تقابل باستهجان المحيط لم تقف أمام عقول مصرية فذة لالتقاط “سر الصنعة” وتأسيس صروح لها، فعاش هؤلاء وخُلِّدت أسماؤهم لأن سعيهم لم يكن بلوغ مصلحة شخصية وإنما كان لتبليغ الرسالة وصون الكرامة وتحقيق المصلحة العامة والبناء والتشييد..

نرشح لك : 13 تصريحًا لعمر طاهر عن “صنايعية مصر”

النهايات المأساوية:

– كان التأميم جزاء معظم صنايعية مصر، التأميم الذي دمر كل حلم تجسد على أرض الواقع مشيداً صرحاً لم يبقَ منه سوى اسم خالد يجهله كثيرون ..

– جاء التأميم كأكبر عملية تهجير للعقول وتجريف للثورات شهدتها مصر بطريقة ممنهجة وفي أقصر وقت ..

– انهيار الصناعات وتحول المصانع لمقرات أمنية، وأحد بيوت أصحابها إلى بيت لسفير إسرائيلي ..

– لم أندهش بأن جمال عبد الناصر كانت له اليد الطولى بتدمير معظم تلك الصناعات بقرارات التأميم؛ بقدر صدمتي أن للسادات يداً أخرى في التضييق والاستبعاد والعزل لعدد آخر من هؤلاء الصنايعية..

– التجاهل والإهمال في أصعب أوقات مرض الصنايعية وتأخر قرارات العلاج على نفقة الدولة أو عدم صدورها إلى أن فارقوا الحياة..

– إهمال البلد لهؤلاء الصنايعية الذين بدأوا من الصفر أو ربما من تحت الصفر، فلا احتفاء بعظمة إنجازات أولادها في الخارج، ولا تقدير لمجهوداتهم في الداخل..

– ألام الأحفاد وهم يقصون بفخر نجاح الأجداد، ولكنه الفخر المشوب بالحسرة والألم على نهايات التأميم والمصانع التي تحولت إلى مقالب قمامة ..

نرشح لك : معلومات لا حصر لها في “صنايعية مصر”.. إليكم أبرز 33

هوامش الكتاب :

– هوامش عمر طاهر لا تخلُ من معلومة أو استرجاع ذكرى أو إثارة نوستالجيا بخفة دم وابتكار، أو سرد على لسان شهود ومعاصرين للشخصية..

– يستطيع الهامش أن يقوم بنفسه قوام فصلٍ منفصل يحكي عن صنايعي آخربكل دقة ومراعٍ لكل التفاصيل، كهامش شاي “الشيخ الشريب”، وهامش الشيخ “محمد رفعت” ..

– أرفق طاهر في الهوامش، رسائل متابعيه عقب نشر فصول الكتاب كحلقات أسبوعية في جريدة الأهرام، والتي حوت شهادات أو إضافات أو تعديلات وأيضاً لوم أو عتاب..

– تخيل أن هامش واحد قد يضم أسماء عظامٍ تجاورت جنباً إلى جنب، بديع خيري، الشيخ محمد رفعت، نجيب الريحاني، سيد درويش..

 

من الكتاب :

– فكرة الأمن المركزي التي بدأت بتدريب الجنود على الإسعافات الأولية ومكافحة الحرائق وقت الحرب، حتى انتهت مهمته بإطلاق الرصاص الحي على المظاهرات وإلقاء القنابل المسيلة للدموع..

– تحويل الإسعاف من سيارة لنقل المصابين إلى مكان سريع للعلاج .. ( ثم عودته الآن إلى مجرد سيارة لنقل المصابين؛ إذا أتت في الأساس) ..

– الشيوخ الذي كانوا يعلمون بقرب منيتهم ومدى تقديرهم للفن والموسيقى..

– سجائر كليوباترا التي صنعت خصيصاً من أجل جمال عبد الناصر..

– روميو وجولييت أول فيلم مترجم سنة 1946

– أغنية “أبجد هوز” و أغنية “عيني بِتْرِف” تأليف بديع خيري، وليس لحسين السيد كما هو شائع..

– لم يخلُ كتالوج عمر طاهر من ذكر صنايعية الحكومة المصرية، تجربة المحافظ الذي اعتبر “شغلانة” المحافظ كعمدة البلد يلتف حوله المواطنين يتقبل شكواهم ويقوم بحلها، وعن وزير الداخلية الذي استتب الأمن في عهده بقدر من الحزم والحنكة يقابله قدر أكبر من ضمير..

– الكتاب مليء بعبارات هؤلاء الصنايعية التي لابد وأن تكون كاقتباسات يتناقلها القراء كنصائح ومحفزات للعمل وعدم الاستسلام لليأس..

– رأس التمثال الفرعوني على الغلاف ل “حِم إيونو” مهندس الهرم الأكبر “هرم خوفو” ..

– خفة دم عمر طاهر في ملف الصور في نهاية الكتاب، إذ “حشر” فيه صورته إلى جانب الصور النادرة لصنايعية مصر ..

لو كنت سعيد الحظ وتمكنت من قراءة كتاب “إذاعة الأغاني” فضلاً عن قراءتك لكتاب “صنايعية مصر” مؤخراً فإنك تكون قد وقعت تحت تأثير “نوستالجيَّتَيْن” في أقصر وقت :

الأولى نوستالجيا جيل أو نوستالجيا الموقف، والثانية نوستالجيا وطن كامل على مر عدد من الأجيال والعصور..

الكتاب إصدار دار الكرمة للنشر

والغلاف من تصميم أحمد اللباد