كيف تؤثر نتيجة انتخابات الرئاسة الأمريكية على أسواق المال؟ - E3lam.Com

عاطف إسماعيل

أنهت أسواق المال العالمية تعاملات شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على هبوط مقارنة بمستويات الأشهر السابقة التي اتخذت اتجاها هابطا في أغلب البورصات العالمية، ما يشير إلى تعاظم أثر الانتخابات الأمريكية ونتيجتها المنتظرة بعد أيام قليلة.

وأنهى مؤشر S&P500 لبورصة نيويورك تعاملات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على تراجع، مسجلا 2085.18 نقطة مقابل إغلاق أعلى في سبتمبر/ أيلول الماضي عند 2126.15 نقطة.

كما تراجع أداء مؤشر داو جونز الصناعي للبورصة الأمريكية ليسجل إغلاق سلبيا في نفس الشهر عند مستوى 17,888.28 مقابل المستويات المسجلة بنهاية الشهر الماضي عند 18,142.42.

وكانت نهاية سلبية للشهر الماضي لمؤشر نيكاي225 لبورصة طوكيو الذي سجل إغلاقا شهريا على هبوط إلى 16,905.36 مقابل قراءة الشهر السابق التي سجلت 17,425.02.

ويزيد من أهمية الانتخابات الرئاسية وأثرها على أسواق المال هذه المرة أن الرئيس المنتخب القادم سوف يأتي بسياساته المالية والاقتصادية الخاصة به والتي يتبناها حزبه.

وذلك على النقيض من الحالة التي يُعاد فيها انتخاب رئيس أمريكي لفترة رئاسية ثانية، إذ يحدث بقاؤه في قيادة الإدارة الأمريكية لأربع سنوات سابقة وتمديد تلك الفترة لأربع سنوات إضافية حالة من الطمأنينة لدى المستثمرين في أسواق المال لاستمرار السياسات الاقتصادية والمالية لسنوات مقبلة.

وبالنظر إلى البيانات التاريخية، بلغ متوسط هبوط مؤشر S&P500 للبورصة الأمريكية أثناء الانتخابات الرئاسية حوالي 2.5% في السنوات التي لم تشهد إعادة انتخاب رئيس أمريكي للفترة الثانية، وفقا لمركز أبحاث بانك أوف أميركا ميريل لينش.

في المقابل، أشارت نفس الدراسة إلى أن المؤشر الأمريكي ارتفع بواقع 12.6% في الانتخابات الرئاسية التي شهدت إعادة انتخاب رئيس لفترة ولاية ثانية في الفترة من 1928 وحتى 2012.

وسجلت عائدات أسهم الشركات الأمريكية المكونة للمؤشر الأمريكي تراجعا بواقع 9.14- في المئة عام 2000 عندما تولى جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة للفترة الأولى مقابل ارتفاع حاد في تلك العائدات بواقع 23.1 في المئة عام 1996 بعد إعادة انتخاب بيل كلينتون رئيسا للبلاد مرة ثانية، وفقا لبحث أعدته مؤسسة فرست فند لأبحاث السوق.

unnamed-23

أسواق المال العربية

هناك عدد كبير من القضايا التي يدور حولها الجدل الانتخابي بين مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وهي القضايا التي تتضمن النظام الضريبي، وسياسة الرعاية الصحية، والهجرة، واتفاقيات التجارة الحرة، والسياسات التي يتبناها كل مرشح تجاه تلك القضايا الهامة.

وتهتم أسواق المال بالحزب الذي يصل مرشحه إلى البيت الأبيض أكثر من اهتمامها باسم المرشح نفسه، إذ تشكل سياسات هذا الحزب الاقتصادية وتوجهاته السياسية الإطار العام الذي يعمل فيه الاقتصاد الأمريكي.

ويُتوقع أن تتأثر أسواق المال العربية بانتخابات الرئاسة الأمريكية ونتيجتها المرتقبة، إذ ترتبط تلك الأسواق، خاصة الخليجية منها، بعلاقات اقتصادية قوية، مع الولايات المتحدة، وحجم تعاملات تجارية واستثمارية هائل مع الجانب الأمريكي.
وقال مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والتمويل ونائب رئيس لجنة الاستدامة بالاتحاد العالمي للبورصات إن “الأثر الأكبر المتوقع للانتخابات الرئاسية الأمريكية على أسواق المال العربية بصفة عامة، والخليجية منها على وجه التحديد، سوف يتوقف على نتيجة تلك الانتخابات.”

وأضاف أن فوز ترامب “المثير للجدل” سوف يسفر عن حالة من انعدام اليقين في الأسواق لتتعرض البورصات العربية، وغيرها من بورصات الشرق الأوسط لتقلبات قوية.

ويبلغ حجم الاستثمارات السعودية، على سبيل المثال، في سندات الخزانة الأمريكية وحدها 116.8 مليار دولار، وفقا لبيانات نشرتها وزارة الخزانة الأمريكية في مارس/ آذار الماضي.

كما أصدرت دول خليجية سندات سيادية بمليارات الدولارات لسد الفجوات التمويلية التي عانت الموازنات العامة لها في 2015، وهي سندات دولارية تُباع في أسواق المال العالمية، ما يزيد من أثر أي من الأحداث التي تطرأ على المشهد الاقتصادي على مستوى الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي على أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي.

وباعت قطر سندات سيادية بالدولار الأمريكي بقيمة 9 مليار دولار في مايو/ أيار الماضي، ما يُعد رقما كبيرا مقارنة بدول أخرى في المنطقة.

ورفعت السعودية حجم السندات السيادية التي تتدوال عالميا إلى 17.5 مليار دولار مدفوعة بعد تسجيل طلب المستثمرين الدوليين على تلك السندات ارتفاعا على 67.00 مليار دولار.

unnamed-19

إعادة توزيع الاستثمارات

أكد نافع أن نجاح ترامب، ومايصحبه من اضطرابات في أسواق المال نابعة من خطابه الحاد في الشأن الاقتصادي والتجاري، قد يؤدي إلى سحب الاستثمارات الخليجية من الولايات المتحدة.

وأضاف أن “صانعي القرار في عالم المال والأعمال العربي يمكنهم إعادة توزيع استثماراتهم وتوجيه أغلبها إلى المنطقة العربية في دول مثل مصر التي تشهد حاجة ماسة للاستثمارات الأجنبية لدعم الاقتصاد.”

وأشار إلى أن هناك فرصة في هذه الحال لزيادة النشاط الاقتصادي في المنطقة العربية وإحداث تقدم كبير في أداء اقتصاد المنطقة.

وغالبا ما كانت المعادلة الأكثر إيجابية بالنسبة لأسواق المال على صعيد الانتخابات الرئاسية والتي غالبا ما أحدثت رواجا في تعاملات البورصات الأمريكية والعالمية هي تولي رئيس من الحزب الديمقراطي وأغلبية برلمانية من الحزب الجمهوري، وذلك في الفترة من عام 1900 إلى 2008، وفقا لأبحاث لدراسات أجرتها مؤسسة نيد دايفز ريسيرش لأبحاث الاستثمار.

وتشير البيانات التاريخية تشير إلى أن الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت، من الحزب الديمقراطي، حكم الولايات المتحدة ثلاث فترات رئاسية نجح خلالها في تحقيق رواج اقتصادي شديد وصعود لأسواق المال ونهوض باقتصاد البلاد من الكساد الكبير الذي أصاب جميع الاقتصادات الرئيسة بالوهن.

كما كان هناك ازدهار اقتصادي أدى إلى صعود تعاملات البورصة الأمريكية أثناء فترتي رئاسة بيل كلينتون، الديمقراطي، للولايات المتحدة.

In this photo provided by the Library of Congress, President Abraham Lincoln, seated and holding his spectacles and a pencil on Feb. 5, 1865. (AP Photo/Library of Congress/Alexander Gardner)

وشهدت نهاية الفترة الثانية لولاية جورج بوش الابن أزمة الاقتصاد العالمي التي تسببت في انهيار أسواق المال.

ورغم الارتباط القوي بين الاقتصادات الخليجية واقتصاد الولايات المتحدة، قال نورس حافظ، كبير المحللين الاستراتيجيين لأسواق المال لدى شركة كافيو إنفستمنت، إن “تأثير الانتخابات الرئاسية الأمريكية على أسواق العربية سوف يكون محدودا للغاية.”
سياسات وشعبية المرشحيْن

أكد نافع أن الموقف “العنصري التمييزي” الذي يتبناه المرشح الجمهوري سوف يؤدي إلى تراجع حاد في تدفقات الاستثمارات الخليجية إلى الولايات المتحدة حال فوزه بمقعد الرئاسة، ما يؤثر بشكل غير مباشر على أسواق المال الأمريكية، وقد يمتد أثره إلى الأسواق العالمية.

واتهم ترامب في أكثر من مناسبة الصين بأنها “تسرق” الولايات المتحدة وتعمل على انهيار الاقتصاد الأمريكي، كما تعهد ببناء “جدار عازل” على حدود الولايات المتحدة مع المكسيك.

وقال ترامب في تصريحات أجلى بها في أغسطس/ آب الماضي:”نحن نحمي اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا والسعودية وآخرين، لكنهم لا يدفعون، هم يدفعون ولكن ما يدفعونه هو أبعد من أن يغطي كلفة هذه الحماية”

في المقابل، رأى نافع إن فوز هيلاري كلينتون يُعد “استمرارا للسياسات الاقتصادية والتجارية للولايات المتحدة، ما يؤدي إلى تحييد أثر انتخابات الرئاسة على البورصات العربية ويقي تلك الأسواق التقلبات العنيفة التي قد تنتج عن عدم اليقين حال فوز ترامب.”

لا يمكن أن تحدد البيانات التاريخية وحدها حركة سعر المستقبلية لأسواق المال أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ولا يمكنها أيضا أن تحدد من هو الرئيس الأصلح للاقتصاد، والذي قد يحدث فوزه تعزيزا لأداء السواق.

unnamed-20

وأضاف حافظ”ترامب يساوي عدم اليقين بالنسبة للمستثمرين، نظرا لسياساته الخاصة باعادة التفاوض مع الشركاء التجاريين وسياسته الضريبية التي أعلنها من خلال تعهدات بخفض الضرائب، ما ساعد على ظهور توقعات بارتفاع حاد في مستويات الدين العام الأمريكي خلال السنوات القليلة المقلبة حال نجاحه، ما قد يؤدي إلى تراجع في العائدات الحكومية.”

كما توقع تراجعا للدولار الأمريكي والأسهم الأمريكية والبيزو المكسيكي والدولار الكندي مقابل ارتفاع الذهب والسندات في حال فوز ترامب. وسندات الخزانة الأمريكية، وهي أصول الملاذ الآمن التي يلجأ إليها المستثمرون في أوقات عدم اليقين للتحوط ضد تقلبات السوق.

واما في حال فوز كلينتون فارتفاع للأسهم والدولار وانخفاض للذهب متوقع … كلينتون تمثل استمرار للوضع الحالي اما ترامب فهو يمثل عدم اليقين، وفقا لحافظ.

وهناك عوامل أخرى تتعلق بشعبية المرشحين الرئاسيين، إذ يرى كثيرون أن أي منهما لا يتمتع بالقدر الكافي من الشعبية لدى المواطن الأمريكي، ما أدى إلى غياب الإجماع المجتمعي حول أي منهما وحالة انقسام في الرأي العام حول المرشحين، ما قد يؤدي إلى تقلبات تشهدها أسواق المال في الفترة المقبلة.

unnamed-21

وقال مسح أجرته صحيفة واشنطن بوست، وشبكة أيه بي سي الأمريكية إن شعبية كلينتون تراجعت إلى 39 في المئة في أغسطس/ آب الماضي، إذ أشار 50 في المئة من المشاركين ممن لهم حق التصويت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى أن كلينتون لا تتمتع بشعبية بينهم.

وأشار المسح إلى أن 60 في المئة من المشاركين أكدوا أن ترامب لا يتمتع بشعبية بين الناخبين الأمريكيين.

وقالت دراسة، أعدتها كارين يوريش، نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، إن “هيلاري كلينتون ودونالد ترامب يتوجهان إلى الانتخابات الأمريكية بأضعف مستويات الشعبية لمرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في عشر سنوات.”