هناك ممثلون نذهب إلى أعمالهم من أجل أن نراهم، وهناك ممثلون يجعلوننا ننسى أننا نراهم أصلًا. النوع الثاني هو الأندر لأن الممثل هنا لا يضع نفسه أمام الشخصية، ولا يحاول أن يترك بصمته عليها بالقوة وإنما يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا.. يختفي.
وهذا تحديدًا ما يفعله محمد فراج. كلما ظهر في شخصية جديدة يبدو كأنه يأتي من مكان مختلف، وانفعالات مختلفة وحتى بطريقة مختلفة في النظر والكلام والحركة. لا نشعر أننا أمام ممثل يؤدي دورًا وإنما أمام إنسان له حياة كاملة سبقت لحظة ظهوره على الشاشة.
في «تحت السيطرة» كانت التجربة لافتة لأن الشخصية لم تكن مجرد دور درامي يحتاج إلى الانفعال، وإنما عالم كامل من الضعف والاحتياج والانكسار ومحاولات المقاومة. لم يكن فراج بحاجة إلى أن يعلن للمشاهد أنه يمثل شخصية مأزومة، ترك الشخصية تتحدث عن نفسها ولذلك بقي أثرها طويلًا.
وفي «ورد وشوكولاتة» تتسع المسافة أكثر ولا يقدم نسخة محسنة من أدواره السابقة، ولا يستدعي نجاحًا قديمًا ليكرر نفسه، وإنما يدخل إلى منطقة جديدة ويترك الشخصية تفرض شروطها عليه، وهذه واحدة من أهم علامات الممثل الحقيقي: أن يعرف متى يستخدم أدواته، ومتى يتخلى عنها.
ثم يأتي «لعبة جهنم» ليؤكد أن فراج لا يعيش على منطقة واحدة من الأداء، وهنا نحن أمام تجربة مختلفة وإيقاع مختلف وشخصية تحتاج إلى أدوات أخرى، واللافت أن انتقاله من شخصية إلى أخرى لا يبدو كأنه تغيير في الملابس أو طريقة الكلام، بل تغيير في الداخل نفسه، وهذه هي المسافة بين ممثل جيد وممثل يمتلك قدرة حقيقية على التقمص.
الموهبة وحدها لا تصنع هذا النوع من الممثلين، كما أن الموهبة تمنحك القدرة على أداء الشخصية لكن التقمص يمنحك القدرة على نسيان نفسك وأنت تؤديها، ولذلك فإن أصعب ما يفعله فراج ليس أن يكون مختلفًا في كل عمل وإنما أن يجعل اختلافه يبدو طبيعيًا.
وهنا يمكن فهم معنى "فن الاختفاء"، فالممثل العادي قد يحمل جزءًا من شخصيته إلى كل دور، فنراه في الشخصيات المختلفة حتى لو تغيرت الأسماء والملابس والظروف، أما فراج في أفضل لحظاته، يفعل العكس تمامًا. يترك محمد فراج خارج المشهد ثم يدخل بالشخصية وحدها.
هذه القدرة تذكرني بمدرسة تمثيل مصرية بطلها أحمد زكي، وعالمية يمثلها توم هانكس. ليس لأن فراج نسخة منهم ولا لأن المقارنة تحتاج إلى مبالغة في الأحجام أو المسيرة، ولكن لأن هناك قاسمًا مشتركًا في جوهر الأداء: أن تختفي حتى تصبح الشخصية هي التي يتذكرها المشاهد لا الممثل الذي لعبها.
أحمد زكي وتوم هانكس وغيرهم من عباقرة التمثيل استطاعوا في تجارب كثيرة أن يجعلوا حضورهم الشخصي يتراجع أمام الشخصية، وفراج يمتلك هذه الميزة بدرجة تستحق التوقف أمامها. قد نختلف حول عمل أو دور أو اختيار فني لكن من الصعب تجاهل أن الرجل لديه قدرة نادرة على تغيير جلده الفني.
والأهم أن فراج لا يعتمد على الاستعراض ولا يبدو كأنه يقول للمشاهد: «انظروا ماذا أستطيع أن أفعل». وهذا تحديدًا ما يجعل الأداء أكثر إقناعًا لأن الممثل الذي يستعرض أدواته يجعلنا نفكر في الممثل، أما الممثل الذي يمتلك أدواته حقًا فيجعلنا نفكر في الشخصية.
في «تحت السيطرة» صدقنا الأزمة وفي «ورد وشوكولاتة» وجدنا أنفسنا أمام تجربة أخرى تؤكد أن المسألة ليست مصادفة وفي «لعبة جهنم» تابعنا شخصية معقدة عمليا، ثلاث تجارب ووجوه والمسافة بينها ليست في الشكل وحده وإنما في الروح.
وهنا تصبح قيمة فراج أكبر من مجرد امتلاكه موهبة التمثيل. هو ينتمي إلى ذلك النوع من الفنانين الذين يستطيعون أن يجعلوا المشاهد يعيد اكتشافهم في كل مرة. وهذه ميزة لا تأتي من كثرة الأدوار، وإنما من القدرة على ألا يتحول النجاح إلى قيد.
فراج أيقونة في فن الاختفاء لأنه يعرف أن الممثل ليس دائمًا من يملأ الشاشة بحضوره، وإنما قد يكون أعظم حضوره في اللحظة التي لا نشعر فيها بوجوده.
عندما تنتهي الشخصية قد نبحث عن محمد فراج، لكن أثناء المشاهدة نكون قد صدقنا أن الذي أمامنا هو شخص آخر تمامًا.
وهنا تكمن العبقرية: أن تكون حاضرًا إلى الدرجة التي تجعلك تختفي.