عمرو منير دهب يكتب: كل الطرق تفضي إلى كل الوجهات.. الفصل الثاني والثلاثون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

على الرغم من أن البعض يذهب إلى أن المقصود بالمقولة الذائعة "كل الطرق تؤدي إلى روما" هو معنى حرفي مباشر بالنظر إلى ازدهار شبكة الطرق في الإمبراطورية الرومانية في أوج سطوتها، فإن آخرين يذهبون إلى أن دلالة المقولة معنوية خالصة؛ ومقابل هؤلاء وهؤلاء من الفريقين على الجانبين المادي والمعنوي، وباعتبار التأثير الروحي العظيم والمركزية الدينية اللافتة التي حظيت بها روما، حلّق البعض بالمقولة إلى آفاق أسمى فجعل المدينة العظيمة تقاطعاً بين ما هو أرضي وسماوي من الطرق والعوالم.

مهما يكن من الاختلاف في تفسير المراد بالعبارة وافرة الدلالات، فإن روما ليست وحدها التي تفضي إليها كلُّ الطرق وإنما كلُّ مدينة وكل بقعة في العالم كذلك. إلى هذا، فإن التفسير نفسه ينطبق على الغايات المعنوية التي تفضي إليها المبادئ على اختلافها مهما تبدُ ظاهرياً متباعدة أو حتى متناقضة.

على الصعد المادية، وبمبالغة مقبولة تماماً من الوجهة العلمية بالنظر إلى كروية أرضنا هذه، يمكن أن نصل إلى أية نقطة بالتحرك نحوها من أيٍّ من الاتجاهين المتعاكسين تماماً؛ وإذا كان في ذلك مبالغة عند الحديث عن نقطة تبعد عنّا بضعة أمتار أو كيلومترات فإن الفكرة تغدو قابلة للتطبيق عملياً عندما تكون الوجهة المقصودة على بعد آلاف الكيلومترات، وهو أمر متحقق كل يوم عبر خطوط الطيران في رحلاتها العابرة للمحيطات بين أقصى طرفَي المعمورة.

ليس ذلك فحسب، بل إن مدينة صغيرة - تتخلّل شبكة طرقها المتواضعة إنشاءات جديدة بغرض التوسعة أو أعمال متفرقة بداعي إعادة التأهيل – يمكن أن تستدعي قسراً الذهاب إلى حي قريب من اتجاه مختلف أو حتى معاكس تماماً إلى حين إتمام أعمال الإنشاءات الجديدة أو إعادة التأهيل.

أمّا على الصعد المعنويّة فحدّث ولا حرج عن كل الطرق التي تؤدي إلى الغاية السامية نفسها التي تزعمها المبادئ على اختلافها؛ بل إن تعدّد الأحزاب والمناهج والفِرَق وكلُّها يزعم الغاية السامية ذاتها (نشدان الحق والخير والجمال على سبيل المثال الموجز) هو أبلغ دليل على إمكانية الوصول إلى نفس الوجهة من انطلاقات أخلاقية ومعنوية متعارضة. يتأكد ذلك بتأمّل اختلاف المنتمين لكل حزب أو فرقة فيما بينهم من حيث الميول والطباع والأخلاق إلى حدّ تشابه بعض المنتمين إلى حزب/منهج بعينه مع آخرين من حزب/منهج مناقض أشدَّ من شبههم برفاق حزبهم/منهجهم نفسه. أمّا الاختلاف في تفسير المراد بالحق والخير والجمال – على سبيل المثال مجدداً – فهو تأكيد آخر على أننا يمكن أن نبلغ غاياتنا من وجهات مختلفة أكثر من كونه دليلاً على اختلاف الغايات نفسها.

لمزيد من التأكيد للفكرة الأخيرة، يمكن النظر في شأن الذين تسنح لهم تجربة الانتقال من مذهب فكري إلى آخر معارض، سواء ضمن إطار العقيدة نفسها أو بالانتقال إلى عقيدة أخرى مغايرة/مناقضة تماماً. الأغلب أن من يخوض التجربة يشعر في البداية بفرق جوهري كبير هو ما حدا به أصلاً إلى التفكير ثم الشروع في تجربة الانتقال؛ ولكن نظرة متأنية في الوسائل التي تتّبعها جميع المذاهب/الأحزاب/الفرق تبيّن أن تلك الوسائل كلها متشابهة – بل متماثلة – والاختلاف إنما هو فقط في الحجة/الذريعة التي تبرر اتخاذ الوسيلة ذاتها من أجل بلوغ غاية هي في الواقع واحدة باعتبار أن الكل يزعم في النهاية سعادةً أو رضا مادياً ومعنوياً لأتباعه أو المنضوين - وإنْ كرهاً - تحت لوائه/قيادته.

في النهاية، المسألة لا تتطلّب تعنّتاً من أي قبيل لإثبات أن كل الطرق تؤدي إلى كل الأماكن وإلى كل الغايات ماديّاً ومعنويّاً؛ فعلى الرغم من كون ذلك متحققاً على نحو ما عرضنا فيما مضى فإن المقصود عموماً هو أن أية غاية يرجوها أيٌّ منّا يمكن بلوغها بأكثر من طريق/طريقة، فلا معنى للتشبّث بوسيلة دون غيرها لبلوغ غاية نظن أن تلك الوسيلة هي الحصرية لبلوغها.

الأهم أنّنا بالفعل نتحقق عند منعطفات في حياتنا – غالباً في مراحل متأخرة – من أن كل الطرق تفضي حقّاً إلى كل الأماكن؛ فنحن بني آدم نتنافس ونختلف ونتصارع، بل نتقاتل، لنكتشف آخر المطاف أن النهاية واحدة وأن ما حقّقناه بالتعصّب لفكرة بعينها كان ممكن التحقيق بسوى تلك الفكرة، بأيٍّ من الأفكار التي شغلنا أنفسنا بالاختلاف معها ومحاربتها.

ولكن لسبب ما، يبدو أننا سنظل لأمد غير منظور على اختلاف شديد بحيث يؤثِر كلٌّ منا طريقاً بعينه ويصرّ عليه حتى إذا كان يعلم في قرارة نفسه أن كل الطرق تؤدّي إلى كل المدن وأن كل المذاهب في وسعها أن تفضي إلى ذات الغاية النبيلة المزعومة.