أسماء مندور
في عام 2023، عاش نحو 1.2 مليار شخص حول العالم مع اضطرابات نفسية حادة، وفق دراسة دولية حديثة، وهو رقم يكاد يوازي عدد سكان قارة كاملة، بزيادة بلغت 95.5% مقارنة بعام 1990، وخلال الفترة نفسها، ارتفعت معدلات القلق بنسبة 158%، والاكتئاب بنسبة 131%، ما رفع تصنيف الاضطرابات النفسية كواحدة من أسرع الأعباء الصحية نموًا على مستوى العالم.
وبحسب الدراسة، لا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فقط، بل في دلالتها، فالزيادة حدثت خلال عقود شهدت تقدمًا غير مسبوق في التكنولوجيا والطب ووسائل الاتصال ومستويات المعيشة، وهي عوامل كان يُفترض أن تجعل حياة الإنسان أكثر سهولة واستقرارًا، لكن اتضح أن الواقع يسير في اتجاه مغاير تمامًا؛ فبينما أصبح العالم أكثر رفاهية، بات الإنسان أكثر عرضة للاضطراب والهشاشة النفسية، فما الذي تغير في علاقة البشر بالحياة والعمل والمجتمع حتى وصل العالم إلى عتبة المليار مضطرب نفسيًا؟
التحولات الكبرى
وراء الأرقام الضخمة (1.2 مليار مضطرب نفسيًا) التي تكشفها تقديرات دراسة العبء العالمي للأمراض المنشورة في مجلة The Lancet ، لم يُخفِ الباحث الرئيسي للدراسة، داميان سانتومورو، الأستاذ بكلية الصحة العامة بجامعة كوينزلاند في أستراليا، دهشته من حجم الظاهرة، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة لا يمكن ردّها إلى سبب واحد أو حدث بعينه، بل تعكس تداخل عوامل معقدة تراكم تأثيرها عبر سنوات طويلة، ويرى أن فهم ما يحدث للصحة النفسية عالميًا يتطلب النظر إلى الصورة كاملة، وليس الاكتفاء بتفسيره من خلال الأزمات أو الصدمات المؤقتة فقط.
وبالعودة إلى الفترة الزمنية التي تتناولها الدراسة، تمثل العقود الثلاثة الأخيرة واحدة من أسرع فترات التحول في تاريخ البشرية، فخلال سنوات قليلة نسبيًا، تبدلت الطريقة التي يعمل بها الناس ويتواصلون ويتلقون المعلومات ويقضون أوقاتهم بصورة تفوق ما شهدته أجيال كاملة عبر قرون سابقة؛ فالأجيال التي عاشت مطلع التسعينيات وما قبله كانت تتعامل مع عالم مختلف تمامًا عن ذلك الذي نعرفه اليوم؛ عالم كانت فيه الاتصالات أبطأ، وتدفق المعلومات محدود، وحدود العمل والحياة الشخصية أكثر وضوحًا واستقرارًا.
ومع الانتشار الواسع للإنترنت، ثم ظهور الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي لاحقًا، انتقل العالم من التواصل المحدود إلى الاتصال الدائم، إذ لم يعد الأفراد ينتظرون الأخبار أو الرسائل لساعات أو أيام، بل أصبحت المعلومات والأحداث والأشخاص حاضرين على مدار الساعة داخل شاشة صغيرة ترافقهم أينما ذهبوا، حتى وصل عدد مستخدمي الإنترنت نحو 6 مليارات شخص في عام 2025، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان العالم، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU).
وفي موازاة ذلك، أعادت الرقمنة تشكيل الاقتصاد وأسواق العمل، فمع انتشار مفاهيم العمل عن بعد والعمل الحر، تراجعت في كثير من القطاعات فكرة الوظيفة المستقرة طويلة الأمد ومساراتها التقليدية، لتحل محلها بيئات عمل أكثر مرونة وسرعة وتغيرًا، وفق تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي أشار إلى الأثر العميق لتلك المتغيرات والأتمتة في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
تغيرت كذلك علاقة الإنسان بالمعلومات بشكل جذري، فبعدما كان الوصول إلى المعرفة يتطلب وقتًا وجهدًا، أصبح الفرد محاطًا بتدفق لا ينقطع من الأخبار والتنبيهات والإشعارات والرسائل والمحتوى الرقمي، في حالة تصفها دراسات في علم النفس المعرفي بـ "الإفراط المعلوماتي"، حيث يتعرض العقل لكم من المعلومات يفوق قدرته الطبيعية على المعالجة والفرز، ما يفرض ضغوطًا مستمرة على الانتباه والتركيز واتخاذ القرار.
الدماغ القديم
بحسب تقرير CNN، تكتسب نتائج الدراسة التي يقودها معهد القياسات الصحية والتقييم بجامعة واشنطن، أهمية خاصة لأنها تستند إلى بيانات دراسة العبء العالمي للأمراض، أكبر مشروع بحثي دولي لرصد اتجاهات الصحة والمرض عبر الزمن، فبعد تحليل أوضاع 204 دولة وإقليم، خلص الباحثون إلى أن العالم قد يكون مقبلًا على مرحلة أكثر تعقيدًا من حيث العبء النفسي، ما لم تُفهم الأسباب العميقة وراء هذا التصاعد المستمر وتُطوَّر استجابات تتناسب مع حجمه واتساعه.
وتشير دراسات علمية متعددة إلى فكرة التطور البيولوجي للدماغ فيما يعرف بنظرية "عدم التوافق التطوري"، فبينما تطور العالم بسرعة نسبية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فإن الإنسان نفسه لم يشهد تحولًا بيولوجيًا مماثلًا، حيث لا يزال الدماغ البشري يعمل بالآليات نفسها التي تطورت عبر عشرات الآلاف من السنين للتعامل مع بيئات أبسط وأكثر استقرارًا.
توضح الدكتورة فاطمة الديب، الأستاذ المساعد بكلية الطب النفسي، في تصريحها لـ إعلام دوت كوم أن التكيف مع المواقف الصعبة لا يعتمد على الوقت وحده، بل يحتاج إلى التدرج، فالإنسان يكون أكثر قدرة على عبور المراحل الصعبة بأمان عندما يتعرض لها بشكل تدريجي، لأن عنصر المفاجأة يرفع مستوى التوتر ويجعل عملية التكيف أكثر تعقيدًا.
تتابع الديب أن التعرض لجرعات كبيرة من الضغوط النفسية أو التغيرات المفاجئة يربك المخ ويؤثر على قدرته على التعامل مع الموقف، وهو ما يجعل التكيف أكثر صعوبة، لذلك كلما زادت سرعة الأحداث والتغيرات مقارنة بقدرة الإنسان على استيعابها والتأقلم معها، ارتفع العبء النفسي الواقع عليه.
في السياق ذاته، يقول دكتور محمد سامي حجاج، استشاري الطب النفسي والعصبي والإدمان، لـ إعلام دوت كوم إن الإنسان يعيش اليوم في ظروف تختلف جذريًا عن تلك التي تطورت فيها قدراته النفسية والاجتماعية ما أضعف مناعته النفسية بمرور السنوات؛ فالعقل الذي صُمم للتعامل مع مجموعات صغيرة من البشر ومخاطر مباشرة ومحدودة، أصبح مطالبًا بالتعامل يوميًا مع سيل من الأخبار والإشعارات والرسائل والمقارنات الاجتماعية والضغوط المهنية.
ويشير كتاب "عدم التوافق: كيف يخدعنا دماغنا الذي يعود للعصر الحجري كل يوم" الصادر عام 2018 لهذا المفهوم بأن كثيرًا من المشكلات التي يعانيها الإنسان المعاصر قد لا تعود إلى وجود خلل في الدماغ نفسه، بل إلى عدم انسجامه الكامل مع البيئة الحديثة، فالتطور البيولوجي يحتاج إلى آلاف السنين، بينما تتغير التكنولوجيا وأنماط الحياة خلال عقود قليلة أو حتى سنوات.
الاستنفار النفسي
يعاني أكثر من مليار شخص حول العالم من ضغوط واضطرابات نفسية، وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية (أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، الذي أشار إلى أن مشكلات الصحة النفسية من بين أكبر التحديات الصحية التي تواجه البشرية في الوقت الراهن، لافتًا إلى أن الضغوط التي يواجهها الإنسان المعاصر لم تعد مرتبطة بمواقف طارئة قصيرة الأمد، بل أصبحت جزءًا من بنية الحياة اليومية نفسها.
يوضح دكتور محمد حجاج أنه رغم أن الأجيال السابقة شهدت حروبًا عالمية ومجاعات وأوبئة أكثر فتكًا من كثير من أزمات اليوم، لكن كان الخوف غالبًا مرتبطًا بحدث واضح ومحدد؛ حرب تندلع، أزمة تقع، وباء ينتشر، ثم تبدأ الحياة تدريجيًا في استعادة توازنها، على عكس اليوم الذي يعيش العالم فيه على إيقاع مختلف، تتلاحق فيه الأزمات دون أن تترك مساحة كافية لالتقاط الأنفاس.
يؤكد كذلك أن هذا التتابع السريع والمتلاحق للأزمات خلق حالة من الاستمرارية في التهديد، حيث لم يعد الدماغ البشري قادرًا على الخروج من دائرة الاستجابة للخطر إلى وضع الاسترخاء الطبيعي، وإنما يتحول القلق من كونه آلية دفاعية مؤقتة إلى حالة مزمنة شبه دائمة، تتغذى على عدم اليقين والمتابعة المستمرة للأخبار وتعدد مصادر الضغط في آنِ واحد.
تقول الدكتورة فاطمة الديب في هذه النقطة إن الضغوط النفسية المزمنة لا يقتصر تأثيرها على الحالة المزاجية أو السلوك الظاهر للإنسان فحسب، بل تمتد آثارها إلى المستوى البيولوجي أيضًا، فالتعرض المستمر للضغوط يؤدي إلى تغيرات في كيمياء المخ وتنظيم الهرمونات ووظائف الجهاز العصبي، وهي تغيرات يمكن رصدها من خلال الفحوصات المعملية وتقنيات التصوير الوظيفي للمخ، لذلك يعتبر الضغط النفسي المزمن عاملًا مؤثرًا في الصحة النفسية والجسدية معًا، وليس مجرد حالة شعورية عابرة.
فبدلًا من الانتقال بين فترات الخطر وفترات التعافي، يجد كثيرون أنفسهم في حالة استنفار نفسي شبه دائمة، ما يحول القلق من استجابة مؤقتة للتهديد إلى حالة مزمنة مرتبطة ببنية العالم المعاصر، لذلك لا ترى الديب أن البشر اليوم يواجهون أزمات أكبر من أسلافهم بالضرورة، بل يواجهون نمطًا مختلفًا من الضغوط يتميز بالاستمرارية وتعدد المصادر وصعوبة الانفصال عنه نفسيًا.
اختلاط المعايير
تشير مراجعة علمية في مجلة Springer Nature إلى أن الرفاهية المتزايدة قد تحمل آثارًا جانبية غير متوقعة على الصحة النفسية، فمع انخفاض التعرض للتحديات اليومية وارتفاع مستويات الحماية والراحة، قد تتراجع فرص بناء المرونة النفسية اللازمة لمواجهة الضغوط والإخفاقات، كما أن ارتفاع التوقعات المتعلقة بالنجاح والسعادة وجودة الحياة يجعل الإحباطات العادية أكثر وطأة، بينما قد يؤدي التركيز المفرط على المشاعر والرفاهية الشخصية إلى زيادة الإحساس بالضيق النفسي.
ويدعم هذا الجانب واحدة من أطول الدراسات في العالم، وهي "دراسة هارفارد للتنمية البشرية"، التي بدأت عام 1938 وما زالت تتابع حياة المشاركين وأبنائهم وأحفادهم حتى اليوم، حيث توصلت بعد أكثر من ثمانية عقود من تتبع الصحة الجسدية والنفسية للمشاركين، إلى نتيجة لافتة بأن الثروة أو الشهرة أو حتى العوامل الوراثية لم تكن أفضل مؤشرات الحياة الصحية والسعيدة، بل جودة العلاقات الإنسانية.
ويرى دكتور محمد حجاج كذلك أن جزءًا من المشكلة يكمن في ارتفاع سقف التوقعات الفردية، فمع اتساع الفرص وتزايد الخطاب الذي يربط النجاح بالسعادة الدائمة وتحقيق الذات، بات كثيرون يقيسون حياتهم وفق معايير أعلى من أي وقت مضى، حيث تصبح الإخفاقات العادية وخيبات الأمل اليومية أكثر إيلامًا، حتى عندما تكون الظروف المعيشية أفضل مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة.
يشير أيضًا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا في تعميق هذه الظاهرة، فبدلًا من مقارنة الإنسان نفسه بدائرته الاجتماعية المحدودة، أصبح يقارن حياته يوميًا بآلاف الصور والقصص التي تعرض نسخًا منتقاة ومثالية من حياة الآخرين، والتي لا تؤدي إلى تحفيز الأفراد بقدر ما تعزز مشاعر النقص وعدم الرضا والشعور بالتخلف عن الآخرين، وهو ما تؤكده دراسات وأبحاث كثيرة.
لكن رغم الأرقام المقلقة، أشارت الدراسة إلى أن جزءًا من الارتفاع في معدلات الاضطرابات النفسية قد يحمل تطورات إيجابية، مثل تحسن التشخيص، وتراجع الوصمة الاجتماعية، وارتفاع الوعي بالصحة النفسية، ما شجع عددًا أكبر من الأشخاص على طلب المساعدة والتحدث عن معاناتهم بلا خجل، لذلك لا تعني أرقام المليار مضطرب نفسيًا بالضرورة أن العالم أصبح أكثر مرضًا فقط، بل قد تعني أيضًا أنه ربما بات أكثر قدرة على الاعتراف بمعاناته وكيفية التعامل معها.