عماد أنور يكتب: الدراويش بلا كرامات

الأهلي، الزمالك وثالثهما الإسماعيلي، الأفضل والأكثر شعبية في الكرة المصرية، رتبهم كما شئت، بحسب جدول الدوري، أو بحسب إجمالي البطولات أو جماليات الأداء أو حتى الانتماء، لكن الثابت أنهم الأفضل.


نعم، الأهلي والزمالك يحظيان بالشعبية الأكبر ومباراتيهما معاً هي قمة الكرة المصرية، لكن يظل الإسماعيلي الضلع الثالث في المثلث الكروي، ولايمكن إزاحته عن هذا المكان. الأمر لا علاقة له بالإنجازات ولا مستوى الأداء، بل بخلطة كروية استثنائية لا يعرف سرها إلا فريق لاعبيه "دراويش" في عشق الكرة، أما جمهوره يتذوقون حلاوة المهارات بنفس المتعة التي يتذوقون بها حبات "الجندوفي" أو "أم الخلول"، يعرفون جيداً أن فريقهم هو أصل المهارات والمتعة الكروية، أعلنوا ذلك عندما هتفوا من قبل: "أنا الإسماعيلي أنا.. أنا الإسماعيلي.. أنا الفن والحرفنة واللعب البرازيلي".

غابت "الحرفنة واللعب البرازيلي"، ولم يعد "للدراويش" أية كرامات، كأنهم فقدوا القدرة على سلطنة محبيهم. نحو ثمانية أعوام ولا حديث إلا عن اقتراب الفريق من الهبوط إلى دوري المحترفين (القسم الثاني). يتذيل جدول ترتيب الدوري هذا الموسم، ويطالب مسؤولوه بإلغاء الهبوط. تماماً مثلما حدث في الموسم الماضي.

جاء اليوم الذي ينتظر فيه "الدراويش" ولو "نفحة" واحدة تعيدهم إلى الأضواء الكروية من جديد، يحدث ذلك في وقت يحتدم فيه السباق على لقب البطولات المحلية والتأهل للتنافس القاري، تبدلت خريطة الكرة وتطورت أدوات الصناعة، وطفت لغة الأرقام على السطح، ولا يزال الإسماعيلي يبحث عن فرصة ثانية.

لم يعد الإسماعيلي كما كان، يعاني تخبطاً إدارياً منذ سنوات، ديون وصلت إلى 220 مليون جنيه، فضلاً عن كثرة تغيير المدربين، هل تعلم أن آخر بطولة حصل عليها الفريق كانت لقب الدوري عام 2002، على يد جيل ضم محمد بركات عماد النحاس وإسلام الشاطر وسيد معوض، وأحمد فتحي، هؤلاء أنتقلوا جميعاً إلى الأهلي فيما بعد، وكان معهم محمد حمص وخميس جعفر وعبد الحميد بسيوني ومحمد صلاح أبو جريشة وغيرهم.

نعم، 24 عاماً كاملة لم يتذوق فيها الفريق طعم البطولات، وكأن هذه البطولات لا تعرف الطريق إلى محافظة الإسماعيلية "عروس القناة"، على الرغم أن الطريق "ميتوهش".

من المؤكد أن هناك طرق كثيرة للعلاج، خطة للإصلاح على مكتب محافظ الإسماعيلية، البحث عن موارد، أو دعوة قدامى اللاعبين للوقوف خلف الفريق، هذا ما تتداوله وسائل الإعلام مع كل إخفاق، لكن دعونا نترك المصطلحات الرنانة والخطط والإستراتيجيات وجبهات الإصلاح، ونلتفت إلى تعطش جمهور النادي للبطولات، أو على أقل تقدير عودة اللعب البرازيلي، وإيقاف زحف الأرقام السلبية إلى سجلات التاريخ.

ربما يكون اللاعبون وحتى المسؤولون في حاجة للحنين إلى الماضي. قدر بسيط من "النوستالجيا" قد يذكرهم بالقيمة والتاريخ، ويعيد لهم الاتزان وتوجيه البوصلة إلى الاتجاه الصحيح، بشرط أن يحدث ذلك دون إغفال التطور السريع في عالم كرة القدم، والتعامل معها على أنها صناعة عرفت لغة المال منذ سنوات، ومع الاعتراف أيضاً أن النادي علامة تجارية موثوقة، "براند" لا يزال يتمتع بقدر من الجاذبية يحتاج فقط إلى متخصص كفء ينفض عنه الغبار ويقدمه في "لفة هدايا شيك" تليق باسمه وتغري الرعاة.

عن نفسي كمشجع أهلاوي، وغيري الكثيرين، نحتاح إلى هذه "النوستالجيا"، نتمنى عودة الفريق إلى سابق عهدة، نشتاق لتلك الحالة الكروية المتوهجة في مباريات الأهلي والإسماعيلي، أو الزمالك والإسماعيلي، كنا نعيش مع هذه المباريات 90 دقيقة من المتعة.

نعم كنا نشجع فريقنا بحماس ونتمنى الفوز بلا شك، لكن تغلبنا رغبة في مشاهدة هدف مهاري من أهداف محمد صلاح أبو جريشة، نقول بأعلى صوت "الله" إعجاباً بمراوغة من صناعة الراحل محمد حازم، أو تفاجأنا تسديدة صاروخية من رائحة حمزة الجمل، تسديدة من شدة قوتها نسمع صوت ارتطام الكرة بالعارضة.

في تسعينيات القرن الماضي، كنا نعمل لمواجهات الإسماعيلي "ألف حساب" يكفي أنه عندما تمر الكاميرا على وجوه لاعبين بحجم سعفان الصغير وحمزة الجمل وأيمن رجب وأدهم السلحدار ومحمد فكري الصغير ومحمد صلاح أبو جريشة وأحمد العجوز.. وغيرهم، نحدث أنفسنا سراً ونقول: "ربنا يستر"، يتضاعف القلق إذا كانت المباراة على ملعبه ووسط جماهيره، تلك الجماهير التي لا تتوقف عن التشجيع وعزف "السمسمية" مصحوبة بهتافات تُحرك الحجر، هؤلاء قادوا الفريق للفوز بلقب الدوري موسم (1990 – 1991) على حساب الأهلي.

قبل هذا الجيل ضم الإسماعيلي أعتى لاعبي الكرة في تاريخ مصر، منهم الحارس حسن مختار وعلي أبو جريشة، وسيد عبد الرازق (بازوكا) وأنوس وميمي درويش، وأميرو وريعو، هؤلاء قادوا الفريق للفوز باللقب المحلي موسم (1966 – 1967)، ومن بعده التتويج بلقب دوري أبطال أفريقيا عام 1969، وهو أول فريق عربي يفوز بالبطولة.

الجيل الحالي قد يكون في حاجة ماسة إلى مشاهدة مباريات هؤلاء العمالقة، أو سماع هتافات ألفها قدامى مشجعي الفريق ورددوها على نغمات السمسمية، وربما عودة الروح والأمل تكمن في ذلك الهتاف الشهير المقتبس من أغنية "فكروني" لكوكب الشرق أم كلثوم. فقط تخيل معي الجماهير في المدرجات، واستدعي لحن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، ودندن مع الجماهير وهي تقول: "القمر من فرحنا هاينور أكتر والنجوم هتبان لنا أجمل وأكبر.. واحنا مش عاوزين يا حازم غير جونين".