يبدو المشهد الإعلاني في الساحة المصرية، مع انتصاف الماراثون الرمضاني، مرتبكًا إلى حد بعيد؛ وكأنه يرسل إنذارًا أخيرًا بأن هذا المسار لا يمكن أن يستقيم على هذا النحو. الخطر هنا لا يهدد طرفًا واحدًا فقط، بل يمتد إلى الجميع: الوكالات الإعلانية، وشركات الإنتاج، والقنوات، وعلى رأس القائمة الشركات المعلنة نفسها.
هذا الارتباك لم يطَل فقط خريطة المعلنين، بل امتد أيضًا إلى مستوى الإبداع في الحملات الإعلانية. ويمكن رصد أبرز ملامح هذا المشهد في النقاط التالية:
لم يعد التكرار مقتصرًا على استراتيجية الاستعانة بفريق مدجج بالنجوم، بل امتد إلى الأفكار نفسها، وروح الحملات، وطريقة تقديمها، حتى بات الجمهور يردد: "أنا شفت الإعلان ده قبل كده... هو بيتعاد؟"
لا جديد يُقال، بل إن القديم يُعاد بصيغ مختلفة. ننتظر الصوت نفسه، والمشاهد نفسها، والضحكات نفسها، والاستمتاع نفسه، من دون سياق حقيقي يبرر وجود هؤلاء النجوم داخل الحملة، أو حتى وجودهم معًا من الأساس. والنتيجة أن بعض النجوم ينتقلون من علامة تجارية إلى أخرى بالإيقاع ذاته، والروح ذاتها، وكأننا أمام نسخ متكررة لا حملات مستقلة.
الأمر لا يتوقف عند تكرار الأفكار، بل يتجاوزه إلى تكرار الوجوه ذاتها داخل أكثر من حملة في الموسم نفسه. هذا العام مثلًا، يظهر فنان واحد في أكثر من إعلان، وكأننا أمام لعبة كراسٍ موسيقية إعلانية ، استخدام فنان واحد في أكثر من حملة إعلانية هذا الموسم هو تامر حسني ليأخذ مكان أحمد سعد من الموسوم الماضي والمفارقة أن الحملات، من بنك إلى مستشفى إلى شركة اتصالات، تكاد تُبنى على النغمة نفسها، والإيقاع نفسه، والمشاهد نفسها ، نفس المشهد مكرر بالكربون يا حبيبي بالكربون .
المشكلة هنا ليست في الأغنية الإعلانية في حد ذاتها، بل في تحوّلها إلى قالب جاهز يُستخدم بإفراط، حتى صارت أغلب الحملات تبدو وكأنها أعمال غنائية متشابهة، تفتقر إلى الاختلاف والدهشة. الرابح الوحيد من هذا النمط ربما يكون منصات الموسيقى، أما الإعلان نفسه فيخسر خصوصيته وتأثيره.
اللافت هذا الموسم هو التراجع الواضح في مستوى الإبداع، إلا في عدد محدود جدًا من الحملات. ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاث حملات فقط بدت أكثر تماسكًا ووضوحًا: حملة وادي دجلة بمشاركة عصام عمر وصوت ماجد الكدواني، وحملة ريماس بمشاركة جنات وهيثم شاكر، وحملة عبور لاند مع أمير كرارة.
المشترك بين هذه الحملات ليس فقط جودة التنفيذ، بل قيام فرق التسويق في هذه الشركات بدورها كما ينبغي: قراءة
جيدة لطبيعة المنتج، وفهم واضح لوضعه في السوق، وتوفير أرضية صلبة تساعد الفريق الإبداعي على بناء حملة متماسكة ومقنعة.
دخلت إعلانات الذكاء الاصطناعي هذا الموسم بقوة، لكنها في كثير من الأحيان حضرت كضيف ثقيل على القلب والعين معًا. المشكلة ليست في استخدام التقنية نفسها، بل في الاستسهال الذي صاحب توظيفها؛ إذ بدا واضحًا أن بعض الأعمال
اعتمدت على التقنية كبديل عن الفكرة، لا كأداة تدعمها.
والنتيجة في كثير من الحالات كانت عكسية: أعمال باردة، خالية من الروح، وأقرب إلى الاستعراض التقني منها إلى الإعلان المؤثر.
الحملات الحكومية هذا الموسم تستحق مراجعة جادة؛ لأن ما نراه يبدو، في كثير من النماذج، تراجعًا واضحًا إلى الخلف. هناك استخدام مفرط لمشاهد الذكاء الاصطناعي، وغياب ملحوظ لاستراتيجية تواصل حقيقية تحكم ملامح الحملات واستمراريتها.
ويبدو أننا أصبحنا أمام نقطة فاصلة تفرض ضرورة وجود كود اتصال حكومي ينظم مخرجات المؤسسات الحكومية، ويضبط محتوى الحملات الإعلانية واتجاهاتها؛ لأن ما يحدث الآن قد يهدر ما تحقق من نقاط مضيئة في هذا الملف خلال المواسم الإعلانية السابقة.
رسائل المشهد واضحة، ولا يخطئها إلا من يتعمد تجاهل الحقيقة. نحن بحاجة إلى وقفة جادة من أهل الصناعة، حتى لا نندم لاحقًا، وحتى لا تختفي ملامح صناعة لطالما افتخرنا بريادتها المصرية على مستوى المنطقة.
نحتاج إلى مراجعة حقيقية من شركات الإنتاج، خصوصًا في ما يتعلق بتكاليف الإنتاج الإعلاني، حتى لا تجد نفسها خارج المعادلة، ويحل محلها سيل من الإعلانات التي لا طعم لها ولا رائحة، تنتجها استوديوهات الذكاء الاصطناعي بلا روح.
التأثير لن يتوقف عند الإعلانات فقط، بل سيمتد إلى صناعة المحتوى بأكملها.
ولهذا، فإن المطلوب الآن ليس مجرد انتقاد عابر، بل استراتيجية واضحة لإدارة المشهد، واستعادة التوازن بين الإبداع، والاقتصاد، والتأثير الحقيقي.. "فالمعركة اليوم لم تعد فقط على جذب الانتباه، بل على إنقاذ المعنى نفسه من التكرار والاستسهال."