خاص

عن أصول مصطلحات اللغة المصرية.. د.جون دانيال: الكثير من المتداول عبر السوشيال ميديا غير صحيح

رباب طلعت                            جون دانيال

“ابن اللذينة”، “الخواجة”، “بولاق الدكرور”، وغيرها من الكلمات التي باتت تنتشر بمعاني غير معانيها الأصلية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلقى تفاعلًا كبيرًا من الجمهور الباحث عن الإثارة، والتباهي بتحدث المصري بلغات عدة، وتلك الظاهرة كانت السبب الرئيسي في قرار الدكتور جون دانيال بأن يشارك متابعيه بمحاولاته في تتبع أصول الكلمات المصرية، ومعرفة معانيها الأقرب للصحة.

جون دانيال

نرشح لك: ملامح مشوار حازم طه: الإذاعة متعتي الأساسية وحواري الأصعب مع عمر الشريف

إعلام دوت كوم” حاور “دانيال” عن تجربته في صناعة محتوى ديجيتال بخلفية أكاديمية وعلمية، ونشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تحدث عن كثير من الأمور المتعلقة باللهجة المصرية وتأثر الشعب المصري بحضارات كثيرة، ومقدمي محتوى تعليم اللغات الأجنبية على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيما يلي أبرز تصريحاته:

1- دراستي في الأساس لها علاقة بالعهد الجديد، ومتخصص أكثر في اليونانية القديمة بشكل عام، وأدرس منذ أكثر من 17 عامًا في كلية اللاهوت الإنجيلية، والعهد الجديد مرتبط بكل الأدب، وتخصصي هو علاقته كأدب للقرن الأول بالأدبيات اليونانية بشكل عام، خاصة الأدب السكندري، وهو كل الأدب الموجود ما بين القرن الثالث ما قبل الميلاد، والقرن الثالث الميلادي، ولا يشترط أن يكون في مدينة الإسكندرية وحدها، وذلك اسمه.

2- جذبني الأدب اليوناني عن غيره لأنه غني جدًا، ومهمل بشكل كبير، وكان هناك اعتقادات كثيرة أنه أدب مختلف، وعندما درسوه وجدوا أنه كان متواجد في 6 قرون كاملة، ومنها العهد الجديد.

3- أنا أدرس تقنيات الترجمة، ولديّ مشروع تم نشر أكثر من نسخة منه وهو ترجمة الكتاب المقدس للعامية المصرية، فأنا لدي اهتمامات بالعامية المصرية، وعملت بها، وأروي حكايات مشابهة لما أنشره على “السوشيال ميديا” لطلابي، وهم من دفعوني لنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، نظرًا لأنهم يروون أن أسلوبي في الحكي لطيف.

4- بدأت أنشر فيديوهات شرح تاريخ الكلمات منذ 3 شهور تقريبًا، وتفاجئت من الانتشار، حيز حاز المحتوى تفاعل أكثر مما توقعت، وأرجع الفضل لطلابي في هذا الأمر، لأنهم اهتموا بالمواضيع ونشرها، وقد لاقى المحتوى تفاعلًا من الجمهور.

5- هاشتاج “يجعل كلامنا خفيف عليهم”، أستخدمه من قبل الفيديوهات بمراحل، فقد كنت أكتب منشورات “بتزعل ناس” يرفضون معرفة الحقيقة، لأنهم يجدونها خفيفة، فأصبحت أرفق الهاشتاج بمنشوراتي، وصارت علامة مسجلة باسمي، حيث التقي بأناس من المتابعين لي، فيمزحون معي بها ويقولون لي “يجعل كلامنا خفيف”.

6- لا أستطيع تحديد أسباب نجاح المحتوى الذي أقدمه، وانتشاره بين الناس، خاصة أن المحتوى “الجد” ليس رائجًا بين الجمهور المصري، ولكن أول فيديو حاز شعبية كبيرة كان شرح كلمة “اللذينة” التي نقولها عندما نصف شيء ونقول “ابن لذينة”، ولكن من الممكن أن البعض قد وثقوا في لأنني أدرس لغات ولست هاوي، فشعروا بأن المعلومة التي أقدمها لها مصداقية، على عكس الكثيرين الذين يأخذون الموضوع هواية، يقرأون معلومات على الإنترنت ويقدمونها للناس على أنها حقائق، دون التأكد من صحتها، وتلك الظاهرة اسميها “هبدولجي – علم الهبد”.

7- لدينا مشكلتين في مصر أساسيتين بالنسبة لأصول كلمات اللهجة، أولها “غياب التأصيل”، فنحن على مدار عقود طويلة غاب عنا التأصيل، فنردد كلمات لا نعرف أصلها، ولا يوجد محتوى علمي يبحث في ذلك الأمر، نحن لا نمتلك مراجع علمية عن أصول الكلمات المصرية، وعندما يسألني البعض عن معاني بعض الكلمات أبحث كثيرًا فلا أجد إجابة دقيقة، لذا أستخدم في الفيديوهات كلمات مثل (أغلب الظن، على الأرجح، وغيرها) حيث لا يوجد ما يؤكد صحة الأصل.

8- المشكلة الثانية هي الهوية المصرية، فنحن لدينا تيارين رئيسيين يحاولون رسم معاني الكلمات كما يروق لهم وبما يتماشى مع مصالحهم، أولهم التيار الكيميتي نسبة إلى كمت، وهم من أطلقوا على نفسهم ذلك الاسم، وظهروا بشكل كبير، بعد عرض إيزيس الأخير، وأولئك يريدون جعل أي شيء أصله فرعوني أو قبطي، وذلك ليس حقيقي، أما التيار الثاني فهو العروبي، وذلك يريد أن يجعل لكل شيء في مصر أصل عربي، وذلك ليس حقيقي، فمصر فيها أصول كثيرة (القبطي، والتركي وذلك شائع، واليوناني والعربي وغيرها)، والكثيرون يستاؤون مني عندما أُرجع كلمات لأصول خارج التيارين، فالناس تفضل تحيزها أكثر من الحقائق، وفي رأيي التيارين “سلفيين”، وكلمة “سلفي” تعني العودة للماضي.

9- الهوية المصرية “ميكس” من كل الحضارات والثقافات التي احتكت بنا كشعب، وقد استفدنا منها وطورنا فيها، وأثرت فينا سلبًا وإيجابًا على حد سواء، فالشخصية المصرية متأثرة بكل ما مر عليها، وهناك علم اسمه (Sociolinguistics)، وهو يدرس تأثير اللغة على شخصياتنا، حتى لو أنكرنا ذلك، وهناك مثال واضح دائمًا ما استعين به، فنحن علاقتنا بالكلاب سيئة جدًا، نشاهد أناس كثيرًا ما يعتدون عليهم في الشوارع مثلًا، وذلك له علاقة بكلماتنا عن الكلاب “كلام وحش”، مثل أن نقول: “ده كلب وراح”، فنحن وإن كنا نقوله بشكل عفوي، هو يؤثر على نظرتنا للحيوانات.
لا يوجد مقياس محدد لي في اختيار الكلمات التي أشرحها على “السوشيال ميديا”، فهناك كلمات يطلبها مني المتابعون، وأحيانًا هناك بعض الكلمات التي أريد أنا معرفة أصولها ومعناها فأبحث عنها وأشارك الآخرين بها، وفي بعض الأوقات أوضح “الهبد” في بعض المعاني المنتشر على السوشيال ميديا.

10- من أكثر معاني الكلمات المنتشرة وغير صحيحة، هي كلمتي (بولاق الدكرور، وجمصة)، وعند البحث عن سبب ذلك المفهوم الخاطئ الشائع عنها، وجدت أنه بسبب مدرس لغة فرنسية في أحد المدارس، على ما يبدو أنه شعر بأن النطق قريب من الفرنسية، فاخترع تلك الأكذوبة، ونحن كمصريين نحب الأشياء المثيرة، فنتداولها، بعيدًا عن التأكد من حقيقتها.

11- اللغة المصرية تأثرت بلغات كثيرة، وحاليًا أشيعها في لهجتنا، اللغتين التركية، ثم المصرية القديمة، وتعد اللغة القبطية أحدث ألسنة المصرية القديمة، ومن كلمات اللغة التركية الشائعة مصطلح (كوبري) فهو في العربية (جسر).

12- هناك كثير من الأمور الشائعة عن تأثر الشعوب باللهجات ليست دقيقة، مثلًا تونس ليست متأثرة بالفرنسية فقط، بل الإيطالية أيضًا، والليبين متأثرين أيضًا بالإيطالية، بحكم القرب الجغرافي منها، والمغربيين، مع الفرنسية هناك الأسباني والأمازيغي، وشرق المتوسط كله بما يشمل مصر وفلسطين وسوريا ولبنان متأثرين بلغات مختلفة ومتعددة، وأبناء دولة الاحتلال ما بعد جيل 48 يستخدمون كلمات عربية مثل “دوغري” من الفلسطينيين، وتلك أصلًا أصولها تركية، أيضًا لغتهم تأثرت بالعرب في مصطلحات الشتائم تحديدًا.

13- مصر وسوريا خضعوا لتأثيرات لغوية متشابهة، لأن ظروفهم متشابهة، فيما عدا الجزء الأخير من عصور الاحتلال، حيث إن مصر خضعت للاحتلال الإنجليزي، وسوريا للفرنسي، لذلك نجد كلماتنا متأثرة بكل الاحتلالات القديمة.

14- السبب في عدم تأثر مصر باللغة الإنجليزية، عكس الدول الخاضعة للاحتلال الفرنسي، وتأثرها باللغات ما قبل الاحتلال الإنجليزي أكثر، هو أن الإنجليز دخلوا مصر، كنوع من الاحتلال المزدوج، فقد كنا خاضعين وقتها للدولة التركية معهم، وهم أيضًا لا يهتمون بتعليم لغتهم للمستعمرين، على عكل الفرنسيين، الذين يتعاملون مع المستعمرات كأنها امتدادات ليهم، ففي تصريح قديم لشارل ديغول إن الجزائر ولاية فرنسية، فهم لديهم ميول أكثر لتثقيف مجتمعاتهم، عكس الإنجليزي فهو يهمه أكثر البنية الأساسية، لذا كانت مصر أول من أصبح لديها في المنطقة البريد والسكة الحديد وغيرها، وذلك لا علاقة له بتقدم الدولة، إنما فعلوا ذلك بما يخدم مصالح امبراطوريتهم، لذلك لم يؤثر فينا كلغة، بينما أثر كلغة في دول مثل نيجيريا التي يتحدث سكانها أكثر من 800 لغة، فكان لديهم مشكلة نتحدث بلغة أي قبيلة؟ بالتالي أختاروا إشاعة لغتهم الإنجليزية، ولكن مصر كان لديها لغة واحدة العربية المصرية، بالإضافة لعدم تداخلهم معنا كشعب، فلم نحبهم ولم يحبونا، ولم يكن هناك حالات زيجات كثيرة بيننا مثل ما حدث مع الأتراك.
15- كل دول العالم بها لهجات تختلف حسب توزيع سكانها الجغرافي، ونحن في مصر لهجاتنا متأثرة باللهجات الأقدم، بمعنى إذ ما تتبعنا اللهجات المصرية من الجنوب، سنجد هناك اللهجة الصعيدي والأخميمي والأسيوطي والفيومي والبحري، وتأثيرها سنجده في المصري الحديث، فالفيومي القديم (الفيوم وبني سويف والمنيا) هناك مدة في نطق الكلمات، وسنجدها متواجدة للآن في اللغة الحديثة.

16- تأثير البيئة والحضارة وأشياء أخرى تتحكم في تحديد اللهجات في كل دولة أو محافظة، وكل منطقة تحتاج دراسة أيثو بولوجية تاريخية، لمعرفة نطقها، فمثلا اليابان قبل زمن التكنولوجيا هي دولة محدودة الموارد بشكل كبير، والأرز شيء هام للغاية في حياتهم، لذا نجد أكثر من 200 لفظة له، المشوي غير المسلوق وهكذا، وذلك تأثير البيئة نفسها على اللهجة، وفي أوقات أخرى يكون هناك تأثير للتاريخ، أو للجد الكبير.

17- لا أفكر حاليًا ولم أخطط لتحويل ما أقدمه من محتوى لبرنامج أو ما شابه يحمل اسمي، فما أفعله مجرد هواية، واهتمامي الأساسي بطلبتي في الجامعة، فأنا لست صانع محتوى.

18- المحتوى المرتبط بتقديم نصائح للغات الأجنبية شائع ومتوفر بكثرة، وشاهدت بعضه “ويا ريتني ما شوفت”، فأزمتي في ذلك الأمر، هو اهتمام الأغلبية بفكرة النطق الصحيح أكثر تعلم اللغة نفسه، ومن أجل تقديم النطق الصحيح، هناك من يصطنع اللهجة بشكل ملحوظ، وفي الأساس ليس هناك أهمية إطلاقًا لذلك الأمر، فعندما نستمع للألمان والإيطاليين والفرنسيين للغة الإنجليزية، سنجد أنها لا تتشابه تمامًا مع المواطن الناطق بالإنجليزية، وذلك بديهي ومنطقي، يجب أن نهتم بتعليم اللغة لا نطقها كمواطنها.

19- ليس حقيقي تمامًا ما يتم إشاعته بأن الشعب المصري لا يتأثر أو يتعلم اللغات بسهولة، وهناك مفهوم مغلوط تمامًا بأن تأثرنا باللغات والثقافات “حاجة عيب”، فعلى العكس تمامًا ذلك التأثر يعني أننا أحياء، فالاختلاط والتواصل يؤثر على المصطلحات، وتلك ميزة كبيرة.

20- اللهجة المصرية تتطور باستمرار، ولا يوجد ما يسمى بمسح الهوية، فالهوية تتجدد، و”الشطارة إننا مننزلقش”، بمعنى أننا نأخذ من الشعوب ونمنحها مما لدينا، ولكي نكون أكثر أمانة في ذلك الموضوع، فالأمم غير المتحضرة (أي التي لا تخترع) تتأثر أكثر ما تؤثر، وعلى سبيل المثال، عندما أخترع الأجانب الراديو، حاولنا أن نطلق عليه اسم “مذياع”، ولكنه “ممشاش” فأغلبنا ينطقه “راديو”، وذلك لأننا لم نخترعه، وبالمقابل الأجانب لم يستحوا من استخدام مصطلح الجبر والخوارزميات لأنه اختراع عربي لعالم عربي فتأثروا به (احنا بنخترع فاحنا اللي بنسمي وهكذا).

21- الكلمات المصرية الأصلية لم تنتقل مثل العربية، فالأخيرة أثرت في الحضارتين اليونانية والفارسية، وذلك لأن المصرية معقدة، ويصعب استخدامها في الحضارات الأخرى.

نرشح لك: تقرير: تفاعل زوجات الفنانين على “إنستجرام”

جون دانيال جون دانيال جون دانيال جون دانيال جون دانيال

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock