تحليل

صفحة دار الإفتاء.. شاهد ما بعد الحذف

إيمان مندور
صفحة دار الإفتاء

جدل كبير أثير خلال الساعات الماضية بسبب حذف دار الإفتاء المصرية لمنشور عبر صفحتها الرسمية على فيس بوك، أوضحت خلاله أن الثلاث أمور التي تنجي المرأة هي “إقامة الفرائض وإحصان الفرج وطاعة الزوج”، حيث تعرضت لهجوم الشديد في التعليقات اعتراضا على بند “طاعة الزوج”، حيث اتهم مناصرو المرأة، الدار، بأن منشورها غير موفق، لأنه يجب توضيح حدود طاعة الزوج، لأنها ليست مطلقة، ومتسائلين عن حقوق المرأة، وأن هناك أمورًا كثيرة تنجي المرأة أولى من طاعة الزوج، منها طاعة الوالدين مثلا.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان هناك طرف آخر في التعليقات ينتقد المنتقدين للدار، باعتبار ما يفعلوه مغالاة لا داعي منها، وهدم للبيوت بالتفريق دوما بين الرجل والمرأة، وأن الدار لم تخطئ لأنها في منشورات سابقة كشفت عن حقوق المرأة وواجبات الزوج تجاهها، وبالتالي ليس من المنطقي أن يكون مفروضا عليها تجاهل الرجل لصالح المرأة، أو أن تضع كل القضايا والتفاصيل في منشور واحد، خاصة أن المنشور موضع الجدل كان عبارة عن إنفوجراف، وهو ما يعني أن أساسه الاختصار بالعناصر الأساسية لتوصيل المعلومة.

صفحة دار الإفتاء

الأكثر جدلا من حذف الدار للمنشور كان وضعها لمنشور عكسي، بعد ساعات، عن واجبات الزوج تجاه زوجته، ثم منشور آخر على غرار البوست المحذوف عن المرأة، ليكون “نجاة المرء في ستة أشياء”، وهو ما أثار انتقادات واسعة حول كون الدار تنحاز للمرأة على حساب الرجل، وأن ما يحدث من حذف متكرر للتركيز على قضايا المرأة فقط تلاعب بالشريعة لصالح إرضاء جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.

مبررات الحذف

في الحقيقة الأكثر غرابة من تصرفات الدار، ومن ردود الفعل المبالغ فيها من الرجال والنساء، هو التبرير الذي كشفه مصدر بدار الإفتاء المصرية لموقع “مصراوي”، حين سُئل عن سبب حذف المنشور، ليرد بأن “دار الإفتاء اتبعت منذ فترة نهجا جديدا في تسويق المنشورات على صفحتها عبر فيسبوك بطريقة مختلفة، تعتمد على تشويق متابعيها حول قضية ما، وبعد ذلك تقوم بتوضيحها في منشور آخر بطريقة أوضح”.

ولفت المصدر إلى أنه بعد حذف منشور “طاعة الزوج”، تم نشر بوست آخر يشرح الأمر بشكل أوضح تحت عنوان “السُنة في التعامل مع الزوجة”، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة من نشر البوستات تجعل المتابعين يتفاعلون معها بشكل أكبر، وبالتالي تحقق الاستفادة المطلوبة من نشرها. ونوه المصدر إلى أن هذه الطريقة تجذب الكثير من المتابعين الذين يتفاعلون مع منشورات دار الإفتاء، مما يكون هناك استفادة حقيقية من نشرها.

أي أنه باختصار، وبحسب كلام المصدر، وعلى عهدة “مصراوي”، فإن الدار تتعمَّد فعل ذلك لجذب المتابعين!

نرشح لك: دفاعا عن “الإنسان” أمير عيد

فتوى بخاخة الربو

بالعودة لتاريخ منشورات صفحة دار الإفتاء المصرية على فيس بوك، نجد قضايا عدة تم التعامل معها بنفس المنطق، وأن منشور طاعة الزوج ليس الأول الذي تم حذفه بعد إثارة الجدل، بل سبقه عدة فتاوى أخرى، أبرزها فتوى بخاخة الربو، قبل نحو شهر، حيث حذفت دار الإفتاء من صفحاتها الرسمية، فتوى متعلقة بحكم استعمال بخاخة الربو، في نهار رمضان، حيث أكدت خلال المنشور المحذوف أن استخدام بخاخة الربو في نهار رمضان يبطل الصيام، مما تسبب في هجوم شديد من المتابعين، موضحين أن الذي يبطل الصيام هو أي شيء يصل إلى جوف الصائم، أما بخاخة الربو فهي تصل إلى الصدر، وهذا الأمر لا يبطل الصيام.

صفحة دار الإفتاء


فتوى زواج المحلل

أيضا في أغسطس الماضي، وبعد ساعة ونصف من نشر فتوى جواز زواج المحلل، حذفت دار الإفتاء عبر صفحتها، ما نشرته بأن “زواج المُحَلِّل إذا كان بشرط التحليل فهو حرام شرعًا باتفاق الفقهاء؛ أما إذا كان منويًّا فقط من غير اشتراط في العقد أو عنده، كأن يتطوع شخصٍ من نفسه وبدون اشتراط في العقد ويتزوج المطلَّقة ليطلقها بعد ذلك، لتعود لزوجها الأول، فإنه جائز ويكون العقد بذلك صحيحا، والشخص مأجورا بذلك لقصده الإصلاح”.

ليخرج بعدها الدكتور مجدي عاشور، المستشار العلمي لمفتي الجمهورية، ويؤكد عبر برنامج “الحكاية”، أن دار الإفتاء المصرية تقول إن زواج المحلل والمحلل له غير صحيح وباطل لأنهم يشترطون شرطا غير صحيح، وهو أن يحلل الرجل المرأة للمحلل له. واستشهد بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: “لعن الله المحلل والمحلل له”، موضحا أن تلك الفتوى العامة تقول إن زواج المحلل باطل وحرام، وهي الصورة التي يتفق فيها الرجل والمرأة على الإتيان برجل آخر بعد طلاقهما النهائي، والاتفاق معه على الزواج من المرأة سواء بشكل صوري أو فعلي، على أن يطلقها فورا.

وأكد مستشار المفتي أن هناك صورة نادرة هي التي نزلت بها الفتوى، ولكن وضعت بشكل مختصر على صفحة دار الإفتاء فظهرت للناس بعكس المقصود، قائلا: “المقصود إن الراجل دا قرر يتجوز الست المطلقة دي من غير ما يعرف زوجها ولا يعرفها ولا أهلها يعرفوا ولا أهله يعرفوا، وهو قرر بينه وبين نفسه يقعد معاها يوم ولا اتنين وناوي يطلقها قُربة إلى الله من أجل تعمير البيوت”، مؤكدا أن تلك صورة نادرة ولا تحدث كثيرا ولا عموم لها.

وواصل: “لكن إحنا في دار الإفتاء عشان نحسم الموضوع ويبقى واضح، لأن الصورة النادرة لا تُعمم وهي واقعة أعيان وخاصة، فلما وجدت دار الإفتاء اللبس على السوشيال ميديا قررت حذفها لعدم إثارة البلبلة بين المواطنيين”، متابعا: “الرجل يأخذ ثوابا إذا التزم بالشروط أن نيته خالصة لله ولا يعرف الطرفان بالأمر”.

صفحة دار الإفتاء

نرشح لك: مدير مواقع التواصل بدار الإفتاء: مواقع موجهة تلفق تعليقات عبر صفحتنا بشكل متعمد

فتوى الشات بين الجنسين

هذا لا يعني أن الحذف مترافق فقط مع أداء الدار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ففي سبتمبر 2014، حذفت دار الإفتاء المصرية من موقعها الإلكتروني، فتوى بتحريم المحادثات الإلكترونية بين الجنسين. وكانت الفتوى، قد أفادت بأن محادثات الجنسين عبر الشات، تمثل بابا للشر والفساد، ومدخلا من مداخل الشيطان، وقواعد الشريعة تقضي بأن سد الذرائع مقدم على جلب المنافع. كما تضمنت الفتوى، أنه لا يحق شرعا للمرأة أن ترسل صورتها لمن لا تعرف حتى تصون نفسها، وحتى لا تستخدم تلك الصور بشكل خاطئ يسيء لها.

في النهاية، لا أحد ينكر حالة النشاط الواسعة من الدار في التفاعل والوصول للجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن من المهم وضع ضوابط للنشر عبر الصفحات الرسمية، بحيث لا يتم نشر أي فتوى بدون التأكد منها، لأن النشر ثم الحذف والتراجع والتبرير سيفقد الجمهور ثقته في الدار، وسيبدأ كل فريق ينحاز لتوجهاته الدينية ويشجع الأخرين عليها، مستغلا مثل هذه الوقائع للابتعاد عن صحيح الدين وعن الوسطية التي يقوم عليها الإسلام أصلا.. فلماذا ننتظر حتى نصل إلى هذه المرحلة بسبب تصرفات مقصودة أو غير مقصودة من “أدمن الصفحة”؟!

 

إيمان مندور

محرر وكاتب بموقع إعلام دوت كوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock