تحليل

الدحيح.. سيرة برنامج أم حكاية جيل؟

إسلام وهبان
الدحيح
يعد برنامج “الدحيح” الذي يقدمه صانع المحتوى الشهير أحمد الغندور، أحد أكثر برامج تبسيط العلوم انتشارا وتأثيرا في مصر والوطن العربي، خلال الخمس سنوات الأخيرة وأكثرها شهرة ومتعة في طريقة العرض، خاصة لما يتمتع به “الغندور” من حس فكاهي، جعل ملايين من الشباب أكثر حبا وإقبالا على متابعته ومشاهدة محتوى علمي ومعرفي اتسم لسنوات طويلة بالجدية والتعقيد.

لكن مع اللحظات الأولى لإعلان دار الشروق، عن نشرها لكتاب جديد يحكي عن كواليس البرنامج، تحت عنوان “الدحيح.. ما وراء الكواليس”، من تأليف طاهر المعتز بالله، أحد أبرز أعضاء فريق برنامج “الدحيح”، وهناك حالة من الجدل بين شرائح مختلفة من القراء، وما بين الاحتفاء بصدور الكتاب وانتقاد البعض له حتى قبل قراءته أو التعرف على ما بين طياته، وكان السؤال الأبرز، ما مدى أهمية صدور كتاب عن برنامج “الدحيح” أو فريق عمله مهما بلغت شهرته؟

نرشح لك: طريقة عمل “الدحيح” في البيت.. 7 نصائح لتقديم محتوى قوي

 

– سيرة الدحيح أم سيرة الغندور؟

يتناول الكتاب من خلال 27 فصلا، المحطات التي مر بها برنامج “الدحيح” بداية من كونه فكرة في عقل أحمد الدحيح، الشاب المصري، الذي يدرس بالجامعة الأمريكية، المولع بالقراءة والعلوم، مرورا بظهور البرنامج لأول مرة في 2014 على يوتيوب، وتحقيقه لمشاهدات لم تكن مرضية بشكل كبير، وصولا للحظات التألق والانتشار الكبير للبرنامج وتنوع المحتوى العلمي المقدم، وأسباب حدوث هذه الطفرة والشهرة الكبيرة التي وصل إليها البرنامج وأيقونته الأشهر “الغندور”، وكذلك أبرز اللحظات الصعبة التي تعرض لها البرنامج خلال السبع سنوات الماضية وحتى الآن.

وعلى الرغم من أن هذا هو الموضوع الرئيسي للكتاب، إلا أن مؤلفه طاهر المعتز بالله، رأى أنه من الصعب الحديث عن البرنامج دون الحديث عن صاحب الفكرة ومقدم الحلقات والسبب الأهم في نجاحها وهو أحمد الغندور، وتعريف القارئ بمعلومات غنية وسيرة شبه كاملة عن أحد أشهر صناع المحتوى المرئي في الوطن العربي، بداية من البيئة التي نشأ فيها، وسماته الشخصية، ومراحله التعليمية وتطور مهاراته واهتماماته، وأسباب حبه للقراءة وكواليس إطلاقه لبرنامج لتبسيط العلوم، وغيرها من المعلومات التي قد لا يعرفها كثير من محبي ومتابعي برنامج “الدحيح”.

ورغم متعتي بهذا الكم من المعلومات عن شخصية “الغندور” وبسلاسة أسلوب “المعتز بالله” في الحكي بشكل جذاب، إلا أن تخصيص 4 فصول متتالية عن حياة أحمد الغندور، في بداية الكتاب قد يصيب البعض بالملل، لأن الكتاب بالأساس عن البرنامج وكواليسه وليس سيرة ذاتية عن “الغندور”، التي من المهم سردها بالتأكيد، لكن كان من الممكن أن يكون ذلك بشكل غير مكثف عبر الفصول من خلال قصة البرنامج، لكن أعتقد أن الجمل القصيرة التي استخدمها مؤلف الكتاب والتنقل السريع بين مراحل حياة الغندور حقق كثيرا من التوازن.

كما أن هذه الفصول عكست بشكل جيد المخزون الثقافي والفكري للغندور، والطبقة الاجتماعية التي خرج منها فريق عمل الدحيح، فضل عن تأثير الأسرة وخاصة الأب على أحمد الغندور، وتحفيزه على القراءة ومحبة الاطلاع والمعرفة، وكذلك أسباب تقديمه لبرنامج “الدحيح”.

– طريقة عمل الدحيح في البيت

تتعرف من خلال الفصول التالية على أهم المحطات التي مر بها برنامج “الدحيح”، وكذلك أسباب استعانة أحمد الغندور بمجموغة من الكتاب والباحثين لكتابة حلقات البرنامج، وكذلك التعرف على أبرز أعضاء فريق “الدحيح” وكواليس إعداده، وأسباب انتشاره وتأثيره في شرائح مختلفة من المتابعين.

لكن ما يميز هذا الكتاب هو تقديمه فصلا كاملا حول كيفية تقديم محتوى قوي ومؤثر، تحت عنوان “طريقة عمل الدحيح في البيت”، والذي أعتقد أنه يهم كل صناع المحتوى بل أي شاب لدي رغبة في تقديم محتوى معرفي مميز. فبعيدا عن التنظير ومن واقع خبرة امتدت لسنوات، حاول طاهر المعتز بالله أن يضع يده على العوامل الحقيقية لنجاح “الدحيح” وقدرته على الوصول لنسب مشاهدات غير مسبوقة لأي محتوى علمي أو معرفي على اليوتيوب، وكذلك التحديات التي تواجه أي برنامج لتقديم المحتوى، وكيفية إيجاد بدائل وحلول لها.

الأهم في الكتاب هو الفكرة الأكبر التي يصدرها طاهر المعتز بالله، وهي كيف تخلق نجاحا مبهرا من رحم الفشل.. فطوال صفحات الكتاب تتعرف على قصص نجاح مجموعة من “الفاشلين”، على حد وصف “المعتز بالله”، وكيف كانت محاولات هؤلاء الشباب للتغلب على إخفاقاتهم أو عثراتهم، السبيل الأول لتحقيق النجاح، وكيف كان الأمل والمثابرة الدافع وراء التألق وتحقيق كل هذا الأثر.

– بصوت الغندور

من القرارات الهامة التي اتخذتها دار الشروق، في نشرها لهذا الكتاب، هو صدور الكتاب الصوتي عبر منصة storytel بصوت أحمد الغندور، بالتزامن مع طرح الكتاب الورقي بالمكتبات. مستهدفين بذلك شريحتين غاية في الأهمية، أولهما محبي ومتابعي برنامج “الدحيح” والذي تعلقوا لسنوات بصوت الغندور، وطريقته المعروفة في العرض، كذلك محبي الكتب الصوتية والاستماع إليها، وإتاحة الفرصة لهم للاطلاع على الكتاب فور صدوره.

وهنا يجدر بنا الثناء على فريق ستوريتل، الذين أعدوا هذا الكتاب ليكون أقرب لحلقات الدحيح، وتعليقاته الفكاهية الساخرة، والتي أضفت الكثير من الحيوية على النسخة الصوتية من الكتاب، وقدمت صورة قريبة أكثر واقعية لأحمد الغندور، جعلت القارئ مستمتعا لا يعرف للملل طريقا خلال استماعه للكتاب، وبإمكانه أن ينهيه في جلسة استماع واحدة.

– قراءات الدحيح

لا يقتصر كتاب “الدحيح” على التعريف بكواليس تقديم البرنامج وأهم التحديات والأزمات التي واجهته خلال السبع سنوات الماضية، ونصائح لتقديم محتوى قوي، لكنه ضم عشرات من الترشيحات لكتب وروايات ومقالات قرأها أحمد الغندور واستند إليها فريقه في إعداد حلقات “الدحيح”، ليصبح بين يدي القارئ قائمة هائلة من المراجع العلمية، فلا يخلوا فصل إلا وتم ذكر اسم كتاب أو عنوان مقال أو مقولة لكاتب أو نظرية لمفكر، ويفتح أمام الباحث بابا جديدا نحو المعرفة.

– بين التبرير وكشف الحقائق

على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه برنامج “الدحيح”، إلا أنه قوبل أيضا بانتقادات واتهامات شديدة طوال سنوات عرضه، بدءا بالشعبوية ومحاولة تسفيه العلوم، مرورا بالتحريض على الإلحاد، وصولا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وغيرها من الاتهامات التي اعتدنا خلال السنوات الماضية أن يتعرض لها أي كيان أو صاحب نشاط متميز. وفي الكتاب خصص طاهر المعتز بالله، فصلا لتفنيد هذه الاتهامات والرد عليها.

قد يكون كشف حقيقة أو كواليس بعض المواقف شيء جيد للجمهور خاصة المتعلقة بمعلومات خاطئة قد تكون وردت بإحدى الحلقات، أو أزمة بسبب حلقة ما، لكن أعتقد أن محاولة الرد على بعض الاتهامات التي سبق الرد عليها، وصدرت بيانات لتوضيحها من قبل، لم يكن موفقا من الكاتب، بل قد يشعر البعض بتعمد التبرير وتحسين الصورة، وهو ما أظن أن مؤلف العمل لا يفضله. فقد أعجبني مثلا أنه تم نفي بعض الاتهامات التي طالت “الغندور” بعد تسريب فيديو له وهو يردد الكلام الذي يقول له داخل الاستوديو، والتقليل مما يقدمه، ليس من خلال فصل أو رد واضح على هذه التهمة، لكن بشكل اذكى ما بين سطور الكتاب التي رسمت صورة للشاب المحبة للمعرفة الباحث عن محتوى مميز وصاحب الأسلوب الفريد في العرض وتبسيط المعلومة والمهتم دائما بالمعلومة وكيفية ربطها بقصة شيقة.

إجمالا فإن كتاب “الدحيح.. ما وراء الكواليس” تجربة مهمة وتوثيق متميز لواحد من أهم برامج تبسيط العلوم، بل ولجيل من الشباب المتميز الذي غير مفهوم التفوق وتقديم المحتوى المرئي لأكثر من 7 سنوات، كذلك خطوة مهمة في الدمج بين النشر الورقي والصوتي وقفزة هائلة في عالم الكتب الصوتية وأساليب تقديمها.

نرشح لك: أبرز تصريحات طاهر المعتز بالله عن كتابه “الدحيح.. ما وراء الكواليس”

اسلام وهبان

محرر وكاتب بموقع إعلام دوت كوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock