تحليل

الشهرة الوهمية.. هكذا خدع المؤثرون متابعيهم!

رباب طلعت

جدل كبير أثاره فيلم “fake famous – الشهرة الوهمية” الذي أطلقته منصتا البث HBO وHBO Max مطلع فبراير الجاري، وهو وثائقي جديد للصحفي السابق في نيويورك تايمز “نيك بيلتون”، ومراسل مجلة “فانيتي فير”، بالإضافة لانتقادات من قبل بعض المؤثرين الأجانب، بالإضافة لبعض النقاد الذين رأوا في الفيلم تجنيًا على صناعة المؤثرين وعرض لقطات حية لبعضهم خلال العمل دون إذن منهم، إلا أنه نال استحسان البعض بسبب ما كشفه من زيف وخداع أولئك المؤثرين لجمهورهم ونتائج ذلك على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي خاصة من المراهقين.

وعلى الرغم من الجدل الحاصل حوله عالميًا إلا أنه لم يحظ بنفس القدر من الاهتمام عربيًا، لعل ذلك بسبب عدم شعبية منصة HBO في الشرق الأوسط خاصة لعدم تقديمها الترجمة العربية اللازمة لانتشارها في الوطن العربي، ولعل ذلك أيضًا بسبب عدم التعمق بعد في دراسة سوق المؤثرين والالتفات له من قبل الإعلام العربي بعد، على الرغم من توسعه وزيادة انتشار مهنة أو نشاط “المؤثر” كتعبير أدق، وللتعرف عليه يقدم الفيلم تجربة على الرغم من قصورها وتركيزها على زاوية واحدة وهي كيفية صناعة الشهرة بطرق ملتوية إلا أنها مهمة للغاية ونحاول رصد أهم ما جاء فيها فيما يلي:

نرشح لك: “أخبار العالم” لتوم هانكس.. قصة إنسانية تصنعها الأخبار

هل تريد أن تصبح مشهورًا؟

في بداية الفيلم يطرح نيك بيلتون، صاحب التجربة ذلك السؤال باحثًا عن إجابة لمعنى الشهرة ووسائلها وتأثيرها على أصحابها، وكان من أهم التعريفات لها هو أنها احتياج يريده الجميع مع أنهم لا يرونها، فهي غير ملموسة ولكن هناك بعض الناس في حاجة لها ويسعون إليها لتميزهم في شيء مثل الغناء أو التمثيل أو الرياضة، ولكنها الآن مع توسع الميديا وانفتاح السوشيال ميديا أصبح هناك مفهوم أكبر لها، لوجود وسائل ترفيه كثيرة ومتنوعة على مدار 24 عامًا، يمكن استغلالها للوصول إلى الشهرة بأبسط الطرق، وهي أن تصبح “مؤثرًا” ومعناه أن يكون لديك متابعين كثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحصد الكثير من التعليقات وعدد هائل من الإعجاب، ولكن هل تلك شهرة حقيقية؟

كشف الصحفي أن هناك أكثر من 40 مليون شخص على إنستجرام لديهم ما يزيد عن مليون متابع، وأكثر من 100 مليون شخص لديهم أكثر من 100 ألف متابع، أي أنه بذلك المقياس فهناك 140 مليون شخص مشهورين على إنستجرام أي ما يعادل ربع سكان أمريكا! وبالطبع فإن ذلك هراء، وتلك الشهرة خادعة، وعلى الرغم من ذلك فإنها أصبحت حلم الأطفال والمراهقين الذين باتت إجابتهم على سؤال “ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟” هي “إنفلونسرز” بدلًا من طبيب أو مهندس أو معلم مثلما كانت الإجابات المعتادة في العقود السابقة، لما رسمه أولئك المؤثرين من صورة مثالية عن حياتهم، التي تظهر في الصور بأنها مليئة بالترف والسفر والراحة والهدايا والنعيم الذي لا ينقطع! ولكن هل ذلك حقيقيًا؟

من هو المؤثر؟

قبل الإجابة عن السؤال السابق من خلال البدء في تجربة الفيلم، طرح “بيلتون” سؤالًا آخرًا مهمًا على عدد من المختصين الذين ظهروا في بداية الفيلم ليعرف منهم تعريف لكلمة “المؤثر” فتعددت الإجابات، حيث عرفته “تايلور لورينز – Taylor Lorenz” محررة متخصصة في مجال التكنولوجيا في “نيويورك تايمز” بأنه شخص نصفه رائد أعمال ونصفه مشهور، لافتة إلى أن لذلك أهمية كبيرة حاليًا فعدم تفاعل الشخص على السوشيال ميديا وعدم زيادة دائرة معارفه على المنصات المختلفة يعرضه لخسارة الكثير  من الفرص في العلاقات والعمل وكل شيء، فيما رأى “باراتوندي ثورستون- baratwndy thursitun” الكاتب الأمريكي أن المؤثر هو مجرد شخص لديه متابعين كثر على السوشيال ميديا، فيما عرفته “هناء حسين – hana hussain”، المتخصصة في إدارة مواقع التواصل الاجتماعي، بأنه شخص لديه متابعين كثر سواء حقيقين أو مزيفين على السوشيال ميديا، وقادر على الترويج لنفسه أو للعلامة التجارية التي يعلن عنها، فيما رأت “سارة فراير – Sarah Frier” مراسلة “بلومبرج” المتخصصة في السوشيال ميديا، إنه شخص يظهر حياته بشكل مثالي ويقول لمن يشاهد حسابه “لكي تصلح مثلي اتبعني” ومن هنا تأتي أهميته ومكاسبه.

هل يمكن تزييف الشهرة؟

بحثًا عن إجابة ذلك السؤال، اختار “بيلتون” ثلاثة شباب من أصل 4 آلاف متسابق لتجربة صناعة “إنفلونسر”، وهم دومينيك وهي ممثلة طموحة شاركت في عديد من الأفلام الطلابية، إلى جانب وظيفتها النهارية في أحد المحلات، وكريس مصمم أزياء ناشئ انتقل إلى لوس أنجلوس من ولاية أريزونا على أمل تنمية علامة الملابس الخاصة به، حيث علمته جدته الخياطة وأصبح يصنع ملابس جديدة من القديمة، كما يعمل في تجارة التجزئة، وويلي الذي انتقل من أتلانتا بحثًا عن مجتمع مثليين يتقبله بشكل أكبر، ويعمل كمساعد لوكيل عقارات أثناء البحث عن هدفه في الحياة، إلا أنه ليس مرتاحًا معه، فهو متعنت وكثير الطلبات.

بدأ الصحفي الرحلة بتغيير شكل الثلاثي على يد محترفين، اختاروا قصة شعر مناسبة لإنستجرام، وملابس أكثر ملائمة لهم، ومن ثم الكثير من الصور المبهرة مثل التي يلتقطها المؤثرين، وهنا تظهر الخدعة الأولى، حيث إن كل الصور كانت مزيفة تمامًا، فبعض منها التي ظهر فيها ويلي ودومنيك وكأن بجوارهم نافذة طائرة، كانت الخلفية الأصلية لتلفاز يعرض عليه سحاب متحرك وقاعدة مرحاض! أما كريس فكان أفضل حظًا حيث كانت جلسة تصويره في مجسم مصنوع خصيصًا على شكل طائرة خاصة بها كل مظاهر الرفاهية، إيجارها 50 دولارًا في الساعة فقط! ويستخدمها الإنفلونسرز لالتقاط صورًا فيها والادعاء بأنها طائراتهم الخاصة، أو طائرة أحد أصدقائهم ويسافرون بها إلى رحلة، بالإضافة لاستعراض طرق تزييف أخرى للصور مثل رحلات الغابات أو الصحراء أو حتى الفنادق في أماكن عادية، تظهر وكأنها في قطعة من الجنة بعيدًا عما يعرفه الآخرون، وذلك كله بفضل المصور المحترف!

 

الخدعة الثانية التي لجأ لها “بيلتون” وبالطبع هي التي يتبعها أغلب الإنفلونسرز، وهي شراء روبوتات، وهي عبارة عن حسابات وهمية اخترعها “الهاكرز” كوسيلة لربح الكثير من الأموال، التي تصل إلى 200 مليون دولار! كما كشف الصحفي في الفيلم، وأكدت هنا حسين أنها دفعت لأحد بائعي الروبوتات حوالي 8 آلاف دولار، في محاولة منها لترويج أحد حسابات المشاهير، وتعمل تلك الروبوتات ببساطة بأنها تسجل في قاعدة بيانات الملايين من الحسابات الحقيقية على السوشيال ميديا لأشخاص كثر، وتبدأ في دمج بعض من معلومات وصورهم لخلق شخصية وهمية على السوشيال ميديا، وذلك لزيادة آلاف المتابعين لحساب المؤثر، وقد اشترى بيلتون 30 ألف متابع لكل واحد من الثلاثي! ولكن ذلك لم يكن كافيًا بالطبع، لزيادة التفاعل على الحسابات، حيث اضطر لدفع مبالغ إضافية لتفعيل خدمة التعليق والإعجاب على المنشورات! وأشار الفيلم إلى أن في الدراسات الأخيرة عن حجم استخدام المؤثرين للروبوتات يصل إلى 60% – 70% من عدد متابعيهم الأصلي! 

 

بعد مرور ثلاثة شهور على التجربة تحول الثلاثي بالفعل لمؤثرين وزاد عدد متابعيهم ليس فقط من الروبوتات ولكنها متابعات وتفاعل حقيقي، وهنا بدأ العمل بالفعل! حيث تلقى كل منهم هدايا حقيقية من شركات شهيرة ومتوسطة للالتقاط صورًا لمنتجاتهم ووضعها على حساباتهم، فتلك هي الخطوة الأولى لبداية التربح من وراء عمل المؤثر.

للوصول لتلك المرحلة اتبع فريق العمل خطة واضحة يفعلها الكثير من المؤثرين في بداياتهم بحسب الفيلم، وهو الإدعاء بأنشطة معينة مثل ممارسة الرياضة في نادِ رياضي والتقاط صورًا مع اسمه ووضعها على صفحتهم، بالتالي تبدأ عروض من نوادٍ رياضية أخرى حقيقية تنهال عليهم، كاشتراكات مجانية لفترة معينة وغيرها، وكذلك التصوير مع ماركات لملابس وعرض منتجات التجميل وغيرها فينخدع المعلنون ويبدأون في الدفع مقابل الإعلان وهو ما يفعله مشاهير كثر أبرزهم كيم كارديشان التي تتلقى مقابل منشور واحد على حسابها على إنستجرام ما يزيد عن 50ألف دولارًا.

هل الخدعة تلائم الجميع؟

بالطبع لا.. بعد مرور الشهور الثلاثة للتجربة، لمعت دومنيك عن ويلي وكريس، فالأخير شعر بعدم ارتياح بالغ وطالب بإزالة كل الروبوتات، لأنه مؤمن بأنه يريد متابعين حقيقيين وليسوا آلات، يريد أن يصل للناس كما هو دون خداع، وهو ما احترمه الصحفي ووافق عليه، فانسحب “كريس” الذي لم تعجبه تلك الحياة، أما “ويلي” فكان لحوار دار بينه وبين أحد معارفه من بعيد تأثير سلبي عليه، حيث نصحه بألا ينساق وراء تلك الحياة الزائفة واقتنع بالفعل حيث إنه شعر بتوتر نفسي كبير ومسؤولية تجاه الشباب الذين يخدعهم خاصة أن لديه أخت عمرها 14 عامًا تتأثر بشكل كبير بما يقدمه أولئك المؤثرون، ولكن “دومنيك” ساعدتها موهبتها في التمثيل على الاستمرار حتى وصلت إلى الهدف أخيرًا حيث حصلت على رحلة مع عدد كبير من المؤثرات للترويج لعلامة تجارية كبيرة والخضوع لأربع جلسات تصوير في الصحراء بملابس مكشوفة تبرز أجسادهم على الرغم من الصقيع، ما وصفته بأن ذلك العالم يلائم الفتيات أكثر خاصة أن الترويج لمثل تلك العلامات التجارية يحتاج بشكل كبير لإظهار أجسامهم! ويتلقون أموالًا على ذلك، وقد حصلت من تلك الرحلة على 5 آلاف دولار بالإضافة للهدايا القيمة، وبالطبع من لديهم متابعين أكثر حصلوا على ما هو أكثر.

طلبت “دومنيك” زيادة عدد الروبوتات والتفاعل على صفحتها للوصول للمرة الأكثر تقدمًا وهي التواصل مع الشركات والفنادق الكبرى، لعقد صفقات تجارية معهم، وقد نجحت في ذلك بشكل كبير، إلى أن حصلت على أكثر ما يتمناه أي مؤثر وهو رحلة كاملة مدفوعة الأجر، ولكن تزامن ذلك مع بدء انتشار فيروس كورونا، وتوقف السفر في الولايات المتحدة وبدأ الحجر الصحي على الجميع، وتوقفت دومينيك نفسها عن مشوار الإنفلونسر، حيث قالت لبيلتون إنها تشعر وأن كل ذلك مزيف، لا شيء فيه حقيقيًا، وإنه طريق خداع طويل لا ترغب في الاستمرار فيه، خاصة بعد ما اكتشفته من أن تلك المهنة لا تمت للإنسانية بصلة، حيث كان أغلب المؤثرين الذين تتابعهم مستمرون في مشاركة صورا لهم وكأن العالم كله لا يحارب جائحة وضعته تحت الحجر الصحي، حتى إنهم نشروا صورًا لهم تظهر في أماكن مختلفة من العالم على الرغم من توقف السفر في العالم كله، لينتهي الأمر أخيرًا بأن الثلاثي لم يرغب أيا منهم في الاستمرار، على عكس ما اكتشفته دومينيك خلال رحلتها مثلما أخبرتها أحد المؤثرات بأنها تحب هذا العمل فهي تفضل التقاط الصور كل ساعة عن العمل بدوام كامل في مطعم يتحكم بها صاحبه! لذا فتلك الشهرة لا تليق بالجميع بالفعل.

من يكترث للأطفال؟

في نهاية الفيلم وجه صناعه سؤالًا صامتًا، باستعراض صورًا لأطفال مؤثرين، دون التعليق عليها، فقط جاء تعليق الصحفي إننا نبعت الأطفال عن الأسلحة أو كل ما يؤذيهم خوفًا عليهم، ولكننا هنا نتركهم للوحش يلتهمهم، وهنا رسالتين الأولى عن أولئك الذين تغتال أسرهم براءتهم بتربيتهم على تلك الشهرة الوهمية وكل ذلك الكم من الخداع، والثانية عن تأثير تلك الحياة ذات المثالية الكاذبة التي تظهر في حياة الإنفلونسرز ويصدقونها فيقعون فريسة للاكتئاب والانتحار.


هل كلمة مؤثر لها دلالة سلبية دائمًا؟

على الرغم من كل ما سبق من إدانة للمؤثرين أكد الفيلم على أن كلمة مؤثر ليست دلالة سلبية دائمًا، ففي بداية الوثائقي أكد المختصين الذين تحدثوا عن مفهوم الإنفلونسرز وتأثيرهم على الأطفال والمراهقين، فهناك بعض المؤثرين كان لهم دورًا إيجابيًا في أحداث عدة، حيث استخدم البعض مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للتعبير عن آرائهم وحشد الناس للتضامن مع قضايا ما أو المطالبة بمطالب شرعية لم يكن مسموح لهم الإدلاء بها عبر وسائل الإعلام التقليدية بسبب السياسات التي تحكمها، كما باتوا جميعًا يعرفون عن بعضهم باختلاف دولهم ومحل إقامتهم.

وفي نهاية الفيلم أيضًا أكد “نيك بيلتون” نفسه، ودومينيك على ذلك، باستعراض  المواقف الإيجابية لبعض المؤثرين خلال جائحة فيروس كورونا، حيث استغلها بعض الموهوبين لعمل حفلات مجانية على حساباتهم لإمتاع الناس في منازلهم وتسليتهم في الحجر الصحي، بالإضافة لدعوات البعض للغناء من شرفات منازلهم وتحية العاملين في القطاع الطبي لتشجيعهم ومواقف أخرى، مما يدل أن المؤثر ليس بطبيعة الحال مُستغل وكاذب!

نرشح لك: 4 أسباب تدفعك لمشاهدة وثائقي نتفليكس “تاريخ الكلمات البذيئة”.. أبرزها نيكولاس كيج

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock