الصوفية (4).. علم التصوف بين الشريعة والحقيقة

محمد مصطفى عزوز

لقد تحدثنا في الحلقات السابقة عن نشأة التصوف وقدمنا طرحاً علمياً عن نشأة التصوف ولكن لابد أن نقدم تعريفاً دقيقاً لعلم التصوف وقبل أن نتحدث عن التصوف وعلمه الغزير لابد أن نعرف العلم الإسلامي أولاً لأن هذا أيضا سيقودنا إلى تعريفاً وسرداً دقيقاً لعلم التصوف ولأن التصوف للدارس هو أحد علوم الإسلام المعتمدة.

أولاً العلوم في الإسلام تنقسم إلى نوعين علوم عامة، وهي تلك العلوم التي يجب على أي المسلم معرفتها كعلوم العبادات، وأركان الإسلام، والسير، وتاريخ الإسلام، وهنا لا يشترط الدراسة والتعمق بل معرفة ما يخدم حياته الدينية، وعبادته وسلوكه العام وإذا غاب عن المسلم أي شيء من تلك العلوم يسأل المتخصصين من أهل الفتوى.

نرشح لك: تاريخ الصوفية وحاضرها (1).. الصوفية بين الصوف والصفاء والحكمة اليونانية


هناك قاعدة فقهية أن العامي مذهبه مذهب مفتيه أما الشق الثاني من العلوم هو العلوم الخاصة وهي علوم متخصصة مكلف بدراستها بعض المسلمين من العلماء المتخصصين في العلوم الدينية وهي كعلم التفسير، وعلم الحديث، وعلم الفقه، وعلم التصوف.

الجدير بالذكر هنا أن التصوف كعلم هو ليس علم الخاصة فقط بل هو علم خاصة الخاصة، فالتصوف يقوم على مجموعة من المبادئ والأركان والقواعد ليست فرضاً على كل مسلم وحتى في المنهج فالتصوف منهج التزود الروحي والدنيوي ليس مجبر أي مسلم على إتباع هذا المنهج أو معرفة أركانه التي هي في الأساس أركان بلوغ درجة الإحسان.

ولعل الخلط بين العلم الخاص والعام حدث في وقتنا الحاضر بسبب ظهور بعض الشخصيات الغير دارسين أو مؤهلين للفتوى أو غير فاهمين للعلم الخاص على القنوات للجدل والدفاع مما أسقط شرط العالم على الجاهل وقد حدث هذا حتى في التصوف فخرج ناس يتحدثون على الملأ عن التصوف ومبادئه وأركانه التي هي للخاصة وكأنها واجبة على المسلمين جميعاً بل والدخول في مناظرات بغير علم أو دراسة ولكن عن طريق تواتر النقل في المسائل العلمية.

نرشح لك: الصوفية (2).. حقيقة أسم الصوفية من الدلائل المنطقية

التصوف يضع توصيفاً لدرجات الإسلام ويحدد منزلته فيها فيقول أن الإسلام له ثلاث درجات الدرجة الأولى أن تكون مسلماً وعرفها بالإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان وقال أن التصوف هو تحقيق مقام الإحسان ويضيفون علماء المتصوفة في تعريفهم للعلم الصوفي أن الإسلام هو الشريعة أي الالتزام بالمنهج الشرعي من فرائض وفروض فرضت على المسلم وتلك منزلة التحلي بأخلاق المسلم والإيمان هو الطريقة أي أن ينتقل المسلم من درجة الالتزام بالفروض بتزويد النفس بالذكر حتى يؤمن ويتيقن بما يؤديه من فرائض وسنن وهي منزلة التخلي عن كل ما ترغبه النفس ويغضب الله والتخلي عن مطامع الدنيا في ضمير النفس والإحسان هو الحقيقة وهي معرفة حقيقة الله والعبادة وهي منزلة التجلي أي التجلي في معرفة الخالق وهي مرحله العطايا أي يعطي يغرق فيها الخالق على عباده من فضله والشريعة تكليف الظواهر والطريقة تصفية الضمائر والحقيقة شهود الحق في تجليات المظاهر وفي النهاية فإن علم التصوف هو علم التربية وتقويم السلوك للوصول إلى الله ومعرفته وهذا هو ملخص لما قدموه علماء الصوفية في تعريفهم للعلم الصوفي في الكثير من كتب أعلام الصوفية منهم ابن عطاء الله السكندري وأبو حامد الغزالي و الجنيد والقشيري وغيرهم طيب الله أيامكم.. وإلى لقاء .

نرشح لك: الصوفية (3).. الحقيقة بين انتشار التصوف ونشأته